الخطاب السياسي المقبل

ربما لا نستبق الأمور كثيرا فيما لو فكرنا منذ هذه اللحظات التاريخية التي يمر فيها العراق بنوعية الخطاب السياسي العراقي للمرحلة المقبلة، نقصد ما بعد القضاء الكامل على تنظيم داعش الإرهابي بشكله الرسمي المعلن من قبلهم كـ «دولة للخلافة الإسلامية» بالعراق؟ لانستبق الأمور كثيرا على وفق المجريات العسكرية العراقية الميدانية المسنودة بقوات الحشد الشعبي وبالتعاون والتنسيق مع قوات البيشمركة الكردية مما يؤهل العراق حتما للقضاء على الدخلاء من المجرمين والقتلة المأجورين الذين عاثوا بأرض العراق فسادا وتدميرا وتخريبا بعد الأنتصارات الكبيرة والمهمة التي حققتها تلك القوات مجتمعة بتقزيم وتدمير وتقليص دور العصابات التي تلوذ هذه الأوقات بالدول الممولة لها والمعولة على الدور التركي الخبيث بوصول التعزيزات العاجلة إليها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
يعرف الخبراء والمحللون السياسيون أن لكل مرحلة مفصلية تمر بها الدول نتيجة المتغيرات الكبرى نوعية خطابها السياسي الخاص بها. هنا تختلط الكثير من المفاهيم القديمة بالقيم والمفاهيم الجديدة، وأحيانا كثيرا ما يتم تشويه التاريخ وتغيير اسماء المدن وحتى اسماء الدول ذاتها حسب المجريات الجديدة. فالمدينة التاريخية الروسية العريقة بطرسبورغ صار اسمها لينينغراد، ومدينة فولغاغراد صارت ستالينغراد، ومن ثم عادت الأولى للاسم الأصلي بطرسبورغ حاليا. كذلك مرت مدينة الثورة ببغداد إلى التحولات ذاتها. ففي البداية كانت «مدينة الثورة» كما أطلق عليها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، وعندما جاء حكم حزب البعث العنصري البغيض صار اسمها «مدينة صدام»، وعندما مُحق نظام البعث تحول الاسم إلى «مدينة الصدر» وربما إذا عاد العراق لعافيته السياسية يعود الناس للاسم الأصلي الأول «مدينة الثورة» وهو الأنسب من الناحية التاريخية والواقعية.
يخضع الخطاب السياسي لكل مرحلة مفصلية إلى التغيرات والتحريفات ذاتها ثورية راديكالية كانت أم شوفينية متعصبة إلى ما تتعرض له الأماكن والمدن. لكن القيمة التاريخية تكمن كجمرة تحت الرماد تتربص بالزمن كما يتربص بها الزمن. فالخطاب السياسي العراقي الذي ساد بالعهد الملكي أختلف ثوريا وبالتمام عن خطاب ثورة 14 تموز 1958، وبعدها تغير إلى خطاب عنصري قومي زمن حكم البعث. وبعد التغيير السياسي الكبير الذي حدث بالعراق تغير الخطاب السياسي 180 درجة لنوع مختلف وغير متجانس إلى خطاب طائفي محض. لا نوجه الإتهام لأي عنصر أو طائفة فالجميع شارك بصياغة تعبوية لهذا الخطاب السياسي المشوه والمنحرف عن المسار الصحيح. عدا قلة من الأئمة الأجلاء من الطرفين سنة وشيعة، تناوب على صياغة الخطاب السياسي بصورته الطائفية المقيتة الراهنة كثرة من الدهماء والمأجورين من «رجال الدين» الدجالين لحصد الأموال. فماذا سيكون عليه الخطاب السياسي المقبل بعد طرد داعش والإرهابيين؟ الأمر جدير بالتفكير.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة