أفكّرُ في متحف باردو..!

حسن خضر

أفكرُ في المتحف الوطني التونسي، أو متحف باردو، الذي واظبت على زيارته على مدار سنوات. في المتحف آلاف من لوحات الفسيفساء الرومانية النادرة، التي لا تقدر بثمن، ويعود تاريخها إلى ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والسادس بعده، وتعد ميراثاً قومياً وثقافياً لتونس، وميراثاً حضارياً لبني البشر في أربعة أركان الأرض.
تضم المجموعة، وهي الثانية من حيث الأهمية في العالم، لوحات مسيحية تعود إلى القرن الرابع للميلاد، وفيها صور وأيقونات آباء الكنيسة والقديسين، ومشاهد ورموز كنسية. وأقدم منها، زمنياً، نرى نبتون، وأفروديت، وأبولو، وغيرهم من ساكني الأولمب في الميثولوجيا الإغريقية القديمة، ناهيك عن مشاهد الصيد، والطيور، والأسود، والرحلات البحرية، وصورة الشاعر فرجيل صاحب ملحمة الإنياذة.
وأفكرُ في حقيقة أن الفتح العربي لشمال أفريقيا وقع في أوائل القرن السابع للميلاد، وأن تلك المجموعة، وغيرها مما لا يحصى من التماثيل، والمسارح المكشوفة، والحمامات العامة، وبقايا البيوت والمرافئ الرومانية (في قرطاج) كانت معرّضة لخطر الشطب من ذاكرة التاريخ، لو كان الفاتحون، في تلك الأيام، على قدر من الهمجية والبربرية، يوازي همجية وبربرية الدواعش في أيامنا.
لم يكن كل ما نعرفه هذه الأيام عن أهمية التراث الإنساني العالمي، جزءاً من هم وهموم العالم في القرن السابع للميلاد. لم يعرفوا، آنذاك، مجلساً للأمن (يتخذ قرارات تحت البند السادس)، ولا اليونسكو (التي عدّت تدمير متحف ومكتبة المواصل جريمة حرب)، ولا محكمة دولية لملاحقة مجرمي الحرب، ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية.
ومع ذلك، لم يشطب الفاتحون في القرن السابع للميلاد آثار الرومان من ذاكرة التاريخ. بعض الروايات تقول إن الأنوف المهشمة لتماثيل أباطرة الرومان، التي نراها في متحف باردو، من فعل البعض ممن أرادوا، بذلك العمل الرمزي، كسر هيبتهم، والتدليل على زوال ملكهم.
لا بأس. حتى وإن كانت تلك الروايات صحيحة فهذا العمل الرمزي بدوره، حتى وإن اختلفنا معه، ومع الوضع في الاعتبار اختلاف الأزمنة، والحساسية، والمفاهيم، يظل أهون من تدمير التماثيل وشطبها من الوجود. والواقع أن من بين الأشياء التي حفظها التاريخ من زمن الحضارة الكلاسيكية العربية، ويعترف العالم بأنه مدين بها للعرب، يحتل الاهتمام بالآداب، والعلوم، والمكتبات، واقتناء المخطوطات، والترجمة، وفنون العمارة، رأس القائمة.
وما يصدق على آثار تونس يصدق، أيضاً، على كل تاريخ الشرق الأدنى في زمن الحضارة الكلاسيكية العربية ـ الإسلامية، فلو كان حكّام الإمبراطورية، في الحواضر، وولاتهم في الأقطار والأمصار في تلك الأيام، من طينة الدواعش هذه الأيام، لشطبوا من ذاكرة التاريخ (بلا حسيب ولا رقيب) آثار مصر، وسورية، وبلاد فارس، والترك، ووادي الرافدين. ولو كانوا من الطينة نفسها لما بقيت كنائس مسيحية، ومعابد يهودية، وأقليات دينية، أو لغوية، في العالم العربي منذ قرون.
تاريخ وميراث هذا الجزء من العالم أكثر تعددية، وتعقيداً، وثراءً، من التبسيط الأيديولوجي للدواعش، وهذا، في الواقع، ما يكرهونه ويحاولون تدميره. وبهذا المعنى، تستدعي مشاهد التماثيل التي انهال عليها الدواعش بالمطارق والفؤوس في متحف الموصل، والنيران التي التهمت الكتب في مكتبتها، مشهداً قديماً ما يزال حياً في ذاكرة العرب والعالم:
في أواسط القرن الثالث عشر حاصر المغول بغداد، وبعد احتلالها، أعملوا السيف في رقاب أهلها، ويُقال إن دماء بني البشر صبغت مياه النهر، ولكن مياه دجلة اصطبغت بلون المداد الأسود، أيضاً، بعدما قام الغزاة بتدمير بيت الحكمة (يقوم بدور المكتبة الوطنية في أيامنا)، ورموا في النهر آلاف الكتب والمخطوطات، التي لا تُعوّض، ولا تُقدّر بثمن.
لم تكف مياه دجلة التي اصطبغت بدم الضحايا، ومداد الكتب والمخطوطات الأسوَد، عن التدفق والجريان في ذاكرة العرب والعالم منذ قرون، ولن يكف مشهد النيران في مكتبة الموصل، والفؤوس في متحفها، ناهيك عن مشاهد الحرق والذبح، عن قض مضاجع البشر، في مقبل الأيام، حتى بعد القضاء على الوحش الداعشي وتدميره. أفكّر، في كل ما رأيت، وأفكّر في متحف باردو، وتزداد كراهيتي للتدعيش، والدعشنة، والدواعش.

*ينشر بالاتفاق مع صحيفة الايام الفلسطينية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة