المرأة.. معيارنا وتناقضاتنا

من دون تردد يمكن القول ان المعيار الذي يصلح ان يكون مطلقا لتطور اي مجتمع ، عكس كل الافتراضات الاخرى ، هو موقع المرأة والموقف منها والتعامل معها ، ليس على مستوى الديكور بل على مستوى الفعل الحقيقي في الحياة وتفاصيلها، وهو معيار كان ومازال وسيبقى صالحا لكل المجتمعات ، ويعكس مدى تجذر وتعمق وحقيقة ومستويات تطور المجتمع ، ولا يمكن فصل هذا المعيار عن بقية معايير نمو المجتمعات، الا ان ميزته هي انه القاسم المشترك بينها ، والفاضح ، لحقيقة التطورات الاجتماعية من عدمها ، والفاضح لشعاراتها سياسيا !!
ومعيار الموقف من المرأة لايحتاج الى احصاءات ومراكز بحوث ، فهو من نوع المعايير التي تقدم نفسها شفافة وواضحة في قوانين الدولة التي ينبغي ان تشرّع حقوقها وتحميها وتؤسس لبنية قانونية، تضع هذا «المكون» الازلي فوق «الميول والاتجاهات» ..
وبرغم ان العراق كدولة من آوائل الموقعين على نصوص قانونية تتعلق بالمرأة في ميثاق الأمم المتحدة مثل، شعوب العالم (تؤكد من جديد إيمانها بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدرة و بما للرجال والنساء …من حقوق متساوية )، كما نصت المادة الأولى من الميثاق (تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك إطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين و لا تفريق بين الرجال والنساء ). كما نصت المادة الثامنة منه ( لا تفرض الأمم المتحدة قيودا تحد بها جواز اختيار الرجال والنساء للاشتراك بأي صفة وعلى وجه المساواة في فروعها الرئيسة والثانوية ).. وعمليا فان العراق من البلدان التي وقعت على هذه البنود الا انه ابعد مايكون على تطبيقها ، على مر الحكومات التي مرّت عليه ن باستثناءات محدودة في الزمن الملكي ، الذي تمتعت به المرأة ، بوجود فاعل حقيقي ، وكان الوجود أيضا خارج التشريعات القانونية المحلية !
فلا يمكن على سبيل المثال ان تتحدث عن حرية المرأة وحقوقها وانت تشرّع لزواج القاصرات ، او تحميهن من «قوانين» خارجة من جسد آخر غير جسد الدولة .. ولايمكن الحديث عن دور فاعل للمرأة في الحياة الاقتصادية في ظروف غير طبيعية كالحروب وماتنتجه من حاجة الدولة والمجتمع الى ان تكون بديلا عن الرجال الذين تحتاجهم جبهات القتال ،كما لايمكن الحديث عن الدور الفاعل للمرأة بوجود حكومة من عشرات الوزارات لايكون حصة المرأة فيها الا وزارة بلا تخصيصات وتخضع لمنطق آخر غير منطق الكفاءة ، كما حال العراق كانموذج للبلدان التي تتعامل مع هذا المعيار بازدواجية وتناقض يعبران عن عقلية القادة السياسيين فيه، الذين اعترضوا على منصب امينة بغداد وكالة ، بحسب رئيس الوزراء في خطبة له بمناسبة عيد المرأة العراقية، لانها امرأة فقط لاغير ، وليس معيارا للكفاءة والتفاضل، ولولا فرض نسبة الـ25% في المقاعد البرلمانية دستوريا ، لما وجدنا الا عددا محدودا جدا منهن في برلماننا ، والمثير ان الاحزاب الكبيرة التي رشحت نساء للبرلمان ، لم يكن الاختيار على معايير الكفاءة ، بل رفعـا للعتـب امـام قوة القانـون الدستـوري!!
حين تكون المرأة نصف المجتمع عدديا ، كما هو حالنا، وتكون مضطهدة ومسحوقة ومحرومة وتجوب في النفايات لتأمين لقمة العيش ، فلا يمكن الحديث ، الا بالشعارات ، عن حقوق المرأة وحريتها واطلاق طاقاتها، حين تكون نسبة الامية بينهن عالية وتتناقص كل عام نسبة الالتحاق بالجامعات منهن ، وحين تزداد سطوة المنطق والعادات العشائرية في التحكم بحياتهن ومستقبلهن ، فان الحديث عن دور المرأة وحقوقها وحريتها ، ليس الا ضربا من ضروب تزييف الحقائق والقفز عليها والتلاعب بها !
ماذا نقول للمرأة العراقية في عيدها المحلي والعالمي ؟ سؤال لااجابة له عندي !!
عامر القيسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة