السيمفونية الخامسة لجلجامش*

علي السباعي

شابٌ عراقيٌ أسمر.. نحيلٌ.. من مواليد برجِ الجوزاء.. مثلَ جلجامش عنيد، قد يصلُ به الأمرُ إلى محاربةِ طواحين الهواء، يعملُ بائعَ صُحُفٍ في تقاطع ِ(الكاردنز)(1)،كانَ ينظرُ من مكانِ عملهِ ناحية شُرفةٍ ضمن الطابقِ الأولِ لعمارةٍ بيضاء تنتصبُ بأربعةِ طوابق، تُطلُ عليهِ صباحَ كل يومٍ من شُرفِتها.. فتاةٌ تتخايلُ بسحرِ جمالها الذي يخطفُ الأبصار.. تايكي!*(2)
لم يجد اسماً غيرهُ.. تبدو كحوريةِ البحرِ وهي تضعُ على شفتيها المكتنزتين أحمرَ شفاهٍ جريئاً دافئاً ينطلقُ في الجوِ مع إطلالتها عبق السيمفونيةِ الخامسةِ لبيتهوفن.. تتعالى مغردةً لتصور صراع َ الإنسانِ مع القدرِ، ثم توافقهُ مع القدرِ، ثم أخوة الإنسان للإنسان.. السماء تحلق فيها طيورٌ بيض وتحط على شُرفاتِ المنازلِ المجاورة.. كان تقاطع الكاردنز حياً ونابضاً بالوجوهِ، وجوه نساءٍ ووجوه رجالٍ.
***
ولدت في فضاءاتِ الحبِ كلماتٌ تخرجُ من محرابِ الروحِ أشواقٌ لا توصلُ بينهما إلا همساً.
***
ذاتَ صباحٍ مشرقٍ مثلَ لون بشرتها النديةِ أومأت لجلجامش بالصعودِ إليها اشتعلَ رأسهُ بالأفكارِ :
– كيف سيكون اللقاء؟ كيفَ..؟ وكيف..؟ وكيف؟
طرقَ بابَ شقتها، فتحَ له البابَ رجل ٌمتوسط ُ العمر بزيَ الخدمِ، قالَ لهُ بلهجةٍ مصريةٍ محببةٍ:
– السيدةُ الصغيرةُ بانتظاركَ في شرفتها.
أسرى إلى ملكوتِ تايكي وبيدهِ صحفه فوجدها مغمورةً بكل ما هو مترفٌ وخلابٌ .. ترتدي ثوباً عربياً تقليدياً يزيدها أنوثةً وغنجاً.. وقف أمامها مبتسماً ابتسامةً ذائبةً من الارتباك..
فصار جلجامش مثلَ قطرةِ ماءٍ لا لونَ ولا طعمَ له ُ.
إذ طغى على صوتِ السيمفونيةِ الخامسةِ صوتُ طائر الغاقِ وهو يشقُ الفضاءَ بصراخهِ دُهشَ بأميرتهِ تنتظره جالسةً في كرسي للمعوقين.

(1)الكاردنز: منطقة في العاصمة الأردنية عمان.
(2) تايكي: ربة عمون، وهي حارسة لمدينة عمان.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة