المثقف الفاشي وعواطف العامة

د.أحمد عزاوي

هل نحن مثقفون حقاً، أم كائنات معولمة في حفلة المرئيات التي تحركها أذرع جبارة أصغرها ذراع مارك زوكر بيرغ، يطيب لي هنا أن أتذكر مقاربات عمالقة الفكر العالمي الجديد أمثال فريدريك جيمسون الذي تصور أن آلة اﻻعلام الجبارة تقدم الصورة على كل شيء حتى على الحقيقة، ويغدو ضياع حقوق ملكية أصغر التفاصيل مصدراً لكينونة وجودية هشة سرعان ما تدهسها انقلابات الحقيقة. في هذا السياق أستعيد أيضاً صدمة ليوتار من جبروت الصورة التي جعلت حرب الخليج الثانية تبدو للمراقب الخارجي كأنها حرب كونية، كبرتها وسائل اﻻعلام على نحو رهيب. هناك ضجيج عال يحيط بالنزوع الفاشي الذي تبنته أميركا بعد صيرورتها قوة منفردة في العالم، هذا النسق يتسرب إلى العالم الثالث بشراسة وينفذ إلى آخر معاقل كينونته الروحية والمعرفية. وأنا أتفرج على صور موسليني وهتلر وأستمع لخطبهما البركانية أتوصل إلى حقيقة أن نسق الابادة هو تماه ﻻ شعوري مع رغبة محو الآخر بأي ثمن حتى لو تطلب ذلك تحول المثقف من كينونة إنسانية إلى آلة هرس وتدمير للجنس البشري. في العراق مثلاً يتحول المثقف في لحظة اندماج طفولي مع عواطف العامة إلى مجرم خطير وفاشي رهيب ﻻ يختلف عن أي قاتل داعشي في تعويمه لفكرة الثأر كجسر لبناء مستقبل سيكون حتماً وسط هياكل خراب كالتي نراها في حلب وكوباني، ثمة دعوات لتطهير عرقي ولابادة بالسلاح الكيمياوي تشي بعقلية هولوكوستية تشبه طموحات داعش الخبيثة التي تتسرب من فديوهات الذبح، نسمع أيضاً تجريماً عاماً وتصوراً شيطانياً يقرر ببرودة أعصاب جنونية عدم وجود أبرياء، والأكثر من ذلك هو دعوة مثقفين فاشيين بامتياز إلى فرز ثقافي ﻻ يراعي اﻻختلاف الفكري ومساحة الحوار، هؤﻻء هم الداعشيون والميليشياويون الذين ابتلي العراق بعقلياتهم التهريجية وسطحية رؤاهم، ﻻ يتيح لك هذا النوع أن تختلف معه وﻻ يسمح بحقائق متعددة أن تتجاور، يؤمن بواحدية تصوراته، هو مثقف علماني وقد يكون ملحداً في الظاهر لكنه في العمق أصولي ديني حتى آخر نبض فيه، وهو ﻻيختلف عن النسق الداعشي التوتاليتاري في شيء. ربما يأسف ﻻشعورياً ﻷنه لم يكن موجوداً في زمن البعث ليشارك كمهرج صاخب في حفلات تدمير اﻻنسان التي تستمر بوساطة اﻻنساق نفسها، هكذا يستقيل المثقف من دوره النقدي واﻻنساني، يجبن، يتضاءل، ينسحق تحت وطأة الهياج الجماعي ويبدأ بإطلاق الرصاص في جميع الاتجاهات، وﻻ ينتبه اﻻ وقد أصبح في حلبة صراع مع فاشيين ومجرمين ﻻ يختلف عنهم اﻻ في منسوب الرغبة في التدمير، ﻷنه وهم من جنود الخرافة الزاحفين على قلعة العقل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة