تهميش المثقف مؤسساتياً

تعقيباً على «من يهمش من؟» للروائي أحمد خلف

سلام مكي

ذكّرتني مقالة الروائي أحمد خلف المنشورة في ثقافية “الصباح الجديد” بصورة نشرها أحد الأصدقاء على صفحته الشخصية تضم ثلاثة شعراء كتب تحتهم: “مهمشو مهرجان الجواهري”. في هذه الصورة، ثمة أسئلة تطرح عن معنى التهميش، وعن الجهة التي تهمش المثقف حصراً. مقالة الأستاذ خلف، تحاول الاجابة عن هذه الأسئلة كما تطرح تعريفاً لفعل التهميش، إذ يقول: المهمش بنحوٍ عام هو من يقصى بنحوٍ متعمد من نسق اجتماعي وثقافي غالب ومهيمن على الفضاء المكاني والزماني الذي يتحرك به الفرد. ولكن: هل هناك فرق بين الاقصاء الذي ينتج عنه فعل يضر بالمثقف وبين الاقصاء الذي لا يؤثر فيه؟ بمعنى: ان الشعراء الثلاثة، رأوا أنهم مهمشون فقط؛ لأن المؤسسة الثقافية المتمثلة باتحاد الادباء، لم تدعهم لأحد مهرجاناتها السنوية. هل التسبب بالضرر كاف لتحقق التهميش؟ أم هل إن مجرد الإهمال والتجاهل كافيان لتحقق التهميش.
الشعراء، لم يتضرروا مادياً ومعنوياً بسبب تجاهلهم، ولا المدعو حقق شيئاً. فعل التهميش كما قال عنه الأستاذ خلف في بداية مقالته: اشتغال المركز على الاقصاء المقصود للفئات التي لا تنسجم وأطروحاته سياسياً واجتماعياً وثقافياً. كما يضيف: وغالباً ما يعاني المهمش من انحسار دوره الاجتماعي في الحياة اليومية، ويقع فعل التهميش على فئة المثقفين الواعين لدورهم والعارفين بقابلياتهم الذهنية على التطوير والتجلي..
عدم الدعوة الى مهرجان، لا أتصور انها تقصي شاعراً عن ممارسة دوره في الحياة العامة، ذلك ان الجميع يعرف، ماذا يحدث في المهرجانات الشعرية ورأي المثقفين العراقيين يكاد يكون واحداً بشأن هذه المسألة. المثقف العراقي، لا يعدّ نفسه مهمشاً الا عندما لا يجد اسمه في قائمة المدعوين الى المربد أو الجواهري، في وقت يهمش من قبل السياسي ورجل الدين والمجتمع، ويغيب عن مواقع المسؤولية لأسباب يعرفها الجميع.
المركز الذي تكلم عنه الأستاذ خلف، هو مصطلح فضفاض، مرن، يمكن توظيفه لأكثر من مجال، المركز يمكن أن يكون السياسي، أو رجل السلطة، ويمكن أن يكون رجل الدين، ويمكن أن يكون المثقف نفسه، في حالة تبوئه منصباً إدارياً في مؤسسة ثقافية. فاذا قلنا، ان الهامش يقابل المركز، ذلك ان فعل التهميش لا يصدر الا منه، معنى هذا ان المركز هنا المؤسسة الثقافية المتمثلة بالمثقف الذي يديرها، إذ قام بتهميش عدد من الشعراء الواعين لدورهم والعارفين بقابلياتهم الذهنية على التطوير والتجلي بحسب تعبير الأستاذ خلف، وهو ما يعني انهم معارضون لنهج الاتحاد ومخالفون لتوجهاته. ولكن: الاقصاء من مهرجان شعري، لا يمكن أن يعدّ تهميشاً بحد ذاته! ذلك ان المكاسب التي يحصل عليها الشاعر لقاء مشاركته في مهرجان ما، هي مكاسب رمزية ولا تتعدى التعارف والتواصل مع الوسط الثقافي ليس إلا، وهذا المكسب يمكن الحصول عليه في أي وقت، من دون الحاجة إلى مهرجانات تنظمها المؤسسة الثقافية. ان فعل التهميش يتم عبر تجريده من دوره الوظيفي وتحجيم اشتغالاته اليومية وتضييق الأفق عليه، حتى يستسلم الى الواقع وينزوي بعيداً عن موقعه الحقيقي، وهذا الفعل يتم تدريجاً عبر أنساق مؤسساتية رسمية تمارسه، فالسلطة التنفيذية المهيمن عليها آيديولوجياً تمارس أقصى حالات التهميش بحق المجتمع أولاً وبحق المثقف الرافض لوجودها وتوجهاتها، هذا التهميش بناءً على قناعة مسبقة بأن الثقافة هي الخطر الأكبر على السياسية وان الثقافي هو الند الأول للسياسي، فيجب اما تجريد هذا الثقافي من أدواته أو توظيفها لصالح السياسي، والتجريد يكون غالباً عن طريق التهميش. بالدرجة الثانية، المؤسسة الثقافية، المتمثلة بوزارة الثقافة واتحاد الأدباء، هاتان المؤسستان تمارسان تهميشاً مقنناً بحق فئات معينة من المثقفين، ولا سيما وزارة الثقافة، التي هي جزء من السلطة السياسية وتدور في فلكها الآيديولوجي، تمارس فعل التهميش المستمر منذ سقوط النظام ولليوم، وفي بعض الدورات الانتخابية، تم استيزار وزراء ثقافة معروفين بعدائهم الشديد للثقافة والمثقف، وهذا بحد ذاته يعد تهميشاً مؤسساتياً للمثقف. وربما استمرار وزارة الثقافة وهي تدور في فلك المحاصصة هو التهميش الأكبر لها. وهناك اتحاد الادباء، المؤسسة الأقرب الى المثقف، الذي تأسس بموجب قانون صدر منذ بداية عقد الثمانينيات ولحد اليوم، لم يجر عليه أي تعديل يناسب التطور في الوضع الثقافي، ذلك ان قيادة الاتحاد، تبدو عاجزة عن طرح قانون يناسب الوضع الجديد للاتحاد، ويمنح المثقف العراقي مزيداً من المكتسبات بما يدعم مشروعه الثقافي. هذا أيضاً يعد تهميشاً، تمارسه قيادة الاتحاد بحق المثقفين المنضوين تحد مظلة الاتحاد. وللعلم، فان هذا القانون برغم مساوئه، الا انه تضمن حقوقاً مادية ورمزية للمثقفين العراقيين، من واجب الاتحاد وقيادته مطالبة السلطات المعنية بتنفيذها، فمثلاً، هناك في المادة 4 من القانون ان الاتحاد يسعى الى توفير فرص الدراسة لأعضائه واستكشاف المواهب الأدبية والسعي لجعل الكتابة مهنة المثقف ورعاية الأدباء الشباب ودعمهم. وغيرها الكثير من الواجبات التي لم تقم بها ادارة الاتحاد منذ تأسيسه ولحد الآن. هذا الاهمال الوظيفي والاداري هو تهميش كبير وفادح بحق المثقف. هذه الامور يجب عدرها تهميشاً وليس عدم الدعوة لمهرجان!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة