الأخبار العاجلة

«كائنات سرية» وتمثلات الكتابة الجديدة لقصيدة النثر

عباس عبد جاسم

لم يكتفِ مازن المعموري بعنونة مجموعته الشعرية بـ “كائنات سرية”، وإنما أدرج عتبة ثانية معنونة بـ “فصوص”، وكأنه أراد بهذه العتبة الخروج عن إطار النصوص المألوفة بـ “فصوص” غير مألوفة، ولكن هل حقّق فيها حيازة جديدة لسمات فارقة في كتابة قصيدة النثر؟
تنبثق “فصوص” من بؤر متوترة بكائنات أليفة مؤسطرة على هيئة كتل متوهجة بإيجاز وكثافة ومجانية، تنفصل من حيث تتصل بناظم ظاهر أو ضمني، ترفض الجنس وتنتمي الى النوع، حيث لا شكل لها أو متعددة الاشكال، تضع القصد موضع الشك في دوال ملتبسة بين الواقع والتخييل أو السيرة والأسطورة، عبر مجازفة في اللامعنى أو مفارقة المعنى، لهذا فهي تؤسس لكتابة متمردة على قوانين عمل القصيدة بوعي جديد.
وعلى الرغم من اللعب القائم على استبدال العلامة بالدال، فإن الدال فيها يؤسس لما يناقض المدلول من خلال ثنائية الحقيقة والمجاز أو اللغة والتخييل، وخاصة على مستوى جماليات النسيج بين الرؤية واليومي.
وما يجعل “فصوص / كائنات سرية” تنتمي إلى الكتابة الجديدة لقصيدة النثر بحساسية جديدة ـ كونها لم تكتفِ بتجزيء التعالقات النصية لـ ” فصوص ” وتقطيع أوصالها من الخارج، وتماسك البنى النصية لـ “فصوص” وترابط أجزائها من الداخل فحسب، وإنما تقوم بتحوير شكل القصيدة إلى (ظاهرة كونية) على نحو مفارق للمجانية أو اللاغرضية في التهديف.
وبذا فإن “فصوص” أكثر استجابة لتمثلات الكتابة الجديدة لقصيدة النثر؛ لأنها أكثر استجابة لحمل وتوصيل الشفرات الجديدة، وخاصة على مستوى اختلاف الرؤية إلى العالم.
في هذه الرؤية يشتغل المعموري مازن على شفرات الكتابة الجديدة لقصيدة النثر بوصفها كتابة بلا يقين لها ولا حدود، بدلالة الاتصال بقصيدة النثر بصيغة الانفصال عنها من حيث: (تشقق المعنى/ اللعب بالدال/ مفارقة المألوف/ لغة الغياب).
وان كانت الـ (أنا) شكلاً مقلوباً لـ (الذات)، فإن هذه الـ (أنا) في (كائنات سرية) ترى في ذاتها الشعرية – قيمة مركزية، وبرغم ما توحي به (فصوص) من (حِـكـَم) ابن عربي الصوفية، فإنها لا تشطح نحو تجليات الذات وفيوضاتها الوجودية، وإنما تنزع على نحو مفارق لها من حيث الدلالة أو الاحالة إليها:
” وحملت أنا فصوص العالم ” ص 20
لهذا فالـ (أنا) الشعرية تشكل مركز (القطب من الرحى)، بوصفها مركز الرؤية إلى الناس والبنى والأشياء:
” أنا الآخر الذي رأى كل شيء .. ثم غاب ” ص 34
ولكن هذه الـ (أنا) منقسمة على ذاتها تعبيراً عن انقسام العالم على ذاته:
” غالباً ما أخرج عني …
أنا .. وهو ..
نقف على أطراف العالم ..” ص 22
لهذا يمكن النظر إلى تمثّلات الـ (أنا وذاتها) في “كائنات سرية” بوصفها واحداً متعدداً من حيث دوال الـ (أنا) المنشطرة على ذواتها:
” أنا.. أم.. أنا.. فيك مني ما في مرايا الطبيعة” ص 65
وقد تتوحد الـ (أنا وذاتها) في وحدة مطلقة:
” وكذلك أنا الواحد الأبدي” ص 84
وكلما تبلغ هذه الـ (أنا) درجة الفناء الأبدي، تتمسك ذاتها بانتمائها الوجودي الأرضي:
” وأنا أحاول الإمساك بي كلها نهضت من الخراب” ص 35
وقد تتجاوز هذه الـ (أنا) حدود الواقع من حيث المفارق والمألوف، حتى تتحّول الى دال غير مُدرك:
” أنا أقول ما لايُدرَك” ص48
كما إن هذه الـ (أنا) تشكل مركز اتجاه الحركة في الرؤية إلى العالم:
” فكلما تحّركت البوصلة
كنت أنا اتجاهها” ص 85
ويمثل اتحاد المتناقضات في رؤية الـ (أنا) الشعرية إلى العالم ـ اتحاد المتناقضات أيضاً في الكتابة الجديدة لقصيدة النثر، وهما (أنا والقصيدة) وجهان لصورة ومرآة، وهنا تكمن جمالية: مَن هي الصورة ؟ ومَنْ هي المرآة ؟
في هذه الرؤية، يتكون معنى الرؤية كبعد وحدس ومجاز وتخييل، فالرؤية لا تعنى بشرح العالم أو تفسيره أو البرهنة على وجوده، وإنما تُعنى باكتشافه، والحاجة إلى صياغته من جديد، ولكن هل بإمكان الشاعر أن يرى العالم من دون (شواش) ؟
وقد تكون هذه الرؤية نتاج حواس مشوشة بين (أنا وذاتها):
” حط ّ الطائر على السطح
نبح الطائر.. فتوقفتْ !! .
ها أنذا أسمع ما يشاء/ أكرر نباح الطائر الذي يسكنني فلا أراه” ص 35
وان كان الشاعر يجيد (الرؤية تماماً، ص 77، فإن هذه الرؤية قائمة على جدل الرؤية بدلالة لا مرئية: “يبحث عني حين لا أراه يمشي فوق الناس ” ص 58
“في أول الفجر تئن أصابعه حين يراني أتمشى مع جبرائيل فوق المارة” ص 58
إذن نحن إزاء كتابة مركبة تركيبة طباقية بأفق مفتوح بين العمق والوضوح، ويمثل جديد هذه الكتابة في أنها “فصوص” بدلاً من “نصوص” وهذه سمة فرق تتجاوز التسمية من حيث المفهوم واللعب بالدوال الملتبسة بين الحقيقة والمجاز أو بين اللغة والتخييل، وخاصة على مستوى قدرة الـ (أنا) الشعرية على تجاوز الواقع بقوة التوجه نحو الاختلاف معه في الرؤية الى العالم.

* مازن المعموري / كائنات سرية / شمس للنشر والاعلام / القاهرة ـ ط 1 / 2014.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة