زمن «العرضحالجية» !

في زمن التكنلوجيا والعولمة وثورة عالم الإنترنيت و»الماستر كارد» و»بصمة العين» و»الملفات الإلكترونية» و»الهارد وير» و»الفلاش ميموري» فضلاً عن زمن الرحلات الى كوكب زحل.. ما زلنا نعيش زمن «العرضحالجية» وطوابير المواطنين الطويلة التي تقف يومياً في الهواء الطلق أمام «كتّاب العرائض» أصحاب المكاتب الخشبية السفرية «المتهرئة» من الذين يتواجدون أمام دوائر الجوازات والأحوال المدنية والمحاكم ودوائر البلديات والعقاري والمرور والتقاعد والمصارف وغيرها. هؤلاء اتخذوا من هذه المهنة مصدراً للرزق والاسترزاق.. بفضل الروتين الإداري والبيروقراطية والفساد والقوانين والتعليمات والضوابط والروابط والعلاقات والنفوذ والتكتل والانتهازية . الكثير من دول العالم استغنت عن الورق وملحقاته منذ زمن ليس بالقصير ودخلت عالم التكنلوجيا.. في حين نحن ما زلنا نعيش ونغرق في عالم من الورق.. والزرق ورق.. و»الكاربون» والقلم «الجاف» و»الطوابع» و»المستمسكات الأربعة» و»البصمة» والاستنساخ فضلاً عن تأييد المجلس البلدي والشرطة المحلية و»شهود عدد اثنين» يتمتعان بكامل الأهلية إضافة الى تأييد يثبت سلامتك البدنية والبصرية والعقلية..!
«أبو جمعة» موظف طيب عُرف بإخلاصه وتفانيه في العمل فضلاً عن مساعدته الآخرين، كان يعاني من عدم الاستجابة لطلبه بالحصول على سلفة مالية تسعفه وتعينه على إكمال بناء بيته الصغير بعد أن أنفق كل ما يملك وصرف مافي جعبته وادخره لهذا اليوم. فشلت كل محاولاته للحصول على السلفة لعدم قناعة الجهات المعنية أو لجنة الصرف بالحجج والتبريرات والأسباب الموجبة التي كان يسوقها في كل «عريضة» يقدمها الى هذه الجهات، كتب عشرات العرائض والطلبات لكن من دون جدوى.. نصحه زميله في العمل «أبو سحر» بالذهاب الى «أبو سرحان» وهو بارع في كتابة العرائض، يتقن هذه المهنة بفضل الخبرة التي يمتلكها من ممارسته الطويلة واكتسابه سمعة جيدة في الوسط «العرائضي» وأصبح ملاذاً لأصحاب القضايا الشائكة.. وقيل عنه ما كتب «أبو سرحان» عريضة.. إلا وتحققت لأصحابها النتائج الطيبة أو في الأقل نالت قبولاً وتعاطفاً.!
قال له زميله «أبو سحر» وهو يصف هذا الكاتب: «راح أدزك لأبو سرحان.. هذا ذيب أمعط يستحق جائزة نوبل في كتابة العرائض!»
استجاب أبو جمعة لنصيحة زميله وراح يسأل عن «أبو سرحان» وبعد أن استدل عليه وقف أمامه وسلّم عليه – وقد كان منشغلاً بالكتابة- رد عليه السلام من دون أن يرفع بصره.. قال أبو جمعة: «أبو سحر يسلم عليك وهو من معاميلك!» رفع «أبو سرحان» رأسه قليلاً ونظر إليه من وراء نظارته الطبية وقال: «أهلاً وسهلاً.. احجي شعندك.. احجي بسرعة.. دتشوفني مشغول وراسي ما أكَدر أحكّه» وعندما أراد أبو جمعة أن يسهب بسرد قضيته.. قاطعه أبو سرحان وقال له: «أخويه احجي باختصار.. بس انطيني راس الشليلة وانطيني أوراقك.. وعوف الباقي عليّه.!
وما أن تحدث أبو جمعة جملة واحدة حتى قاطعه كاتب العرائض: «هذا يكفي صارت الفكرة واضحة! تعال الظهر قبل مينتهي الدوام.. تلكَاها حاضرة»..! توسل أبو جمعة قائلا: «مو آني كلش مستعجل» أجابه أبو سرحان: «إذن تعال بعد ساعتين..!» قال أبو جمعة ولخاطر صديقك أبو سحر!» أجابه: «إذن تعال بعد ساعة وبعد لتلح!».. ذهب أبو جمعة.. وعاد بعد انقضاء المهلة.. وهو متلهف لكي يعرف الوصفة السحرية التي سيخرج بها كاتب العرائض عسى أن تنفعه.. أو تنقذه مما هو فيه.. قال له أبو سرحان: «تفضل.. هاي العريضة مالتك كاملة!» .. قال أبو جمعة: «آني نسيت نظارتي الطبية بالبيت.. وما أكَدر أقرا.. يرحم والديك.. اقراها ليطمئن قلبي..!» أجابه أبو سرحان: «ولو آني مشغول.. بس راح أقراها إلك» .. بدأ أبو سرحان بقراءة ما كتبه في العريضة.. وما أن سمع أبو جمعة بعض الجمل الواردة فيها.. حتى راح يبكي.. وبدأ صوته يرتفع شيئاً فشيئاً ودموعه تتساقط بحرارة كلما سمع جملة في عريضته.. توقف كاتب العرائض عن القراءة واستفسر من «أبو جمعة» عن سر بكائه.. أجابه: أخويه أبو سرحان ..»كل هاي المصايب اللي ذكرتها بالعريضة..بيّه وآني ما أدري..!
هذه الحكاية ذكرتني.. بقصة مماثلة رواها صديق لي حدثت قبل سنوات مع أحد المسؤولين السابقين.. عندما طلب هذا المسؤول من أحد «الكتّاب» الذين يوصفون بـ «كتّاب تحت الطلب» أن يمتدحه في مقال صحفي يتناول فيه إنجازاته وصفاته! .. وفعلاً نفذ هذا «الكاتب» ما طلبه المسؤول.. وأثناء مطالعة المسؤول المقال الذي نُشر في اليوم التالي على صدر الصفحة.. أخذ يشهق بالبكاء ودموعه تنزل على خده مدراراً.. ما أثار حفيظة الكاتب الذي خشي أن يكون ارتكب خطأً جسيماً أو أساء الى المسؤول من دون أن يدري ما دفعه الى سؤاله قائلاً: «أستاذ خير خوما ارتكبت خطأ تجاه معاليكم ؟ أجابه المعالي: «ولك ملعون كل هذه المواهب والأوصاف والفضائل والإنجازات العظيمة .. كلها بيَّ وآني ما أعرف»!

• ضوء
لكل زمن.. رجاله.. و»عرضحالجيته» !
عاصم جهاد

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة