البطالة تذكي الجريمة و العنف المسلح

صادق الازرقي *

خلصت دراسة حديثة لمختصين بريطانيين نشرت مؤخراً، الى ان للبطالة تأثيراً قاتلاً على المجتمعات التي تعاني منها، محذرة من ان «البطالة تغير سمات أساسية في شخصية المرء، فتجعله أكثر لؤما وحقداً وانغلاقاً، ما يفسر تردي أحوال المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة البطالة»، وبرغم ان نتائج الدراسة اتت متوقعة، وان ردود افعال الانسان الذي يعاني من البطالة بالنحو الذي ابرزته الدراسة مرتقبة، فان بقاء مجتمعات الشرق وفي طليعتها العراق في ظل معدلات بطالة كبيرة من دون أي ضمانات للعاطلين، يؤدي بالضرورة الى تفاقم المشكلة وانبثاق المخاطرة المترتبة على بقاء ملايين الشباب من دون عمل او رواتب، وهو امر يستوجب علاجاً آنيا وجذرياً؛ قصرت فيه الجهات الحكومية طيلة السنوات الماضية برغم توفر الاموال التي استعمل معظمها لخدمة فئة طفيلية جديدة، وهُرب كثير منها باتجاه دول اخرى.
في البداية نود ان نلقي بعض الضوء على ما يعنيه مصطلح البطالة والعاطلين، فلقد عرّفت منظمة العمل الدولية العاطل، انه « كل قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ولكن من دون جدوى»، وطبقاً لذلك لا يصنف الطلاب والمعوقون والمتقاعدون والمسنون واصحاب العمل المؤقت، ومن ليس بهم حاجة للعمل في خانة العاطلين، وكان المفكرون الاقتصاديون قد ربطوا البطالة بالصناعة، وقالوا بهذا الشأن ان البطالة لا تندرج فيها المجتمعات الريفية التقليدية، وهنا تكون المشكلة في العراق مضاعفة، اذ تنعدم الصناعة او تكاد، كما تعرضت الزراعة الى هلاك حقيقي ما فاقم من مشكلة البطالة و زاد في اعداد العاطلين؛ ويغدو الامر اكثر خطورة اذا ما عرفنا ان احد انواع البطالة في العراق، أي ما يعرف بالبطالة المقنعة التي تعرفها الادبيات الاقتصادية انها تشمل «من يؤدي عملاً ثانوياً لا يوفر لهُ كفايتهُ من سبل العيش، أو إن بضعة أفراد يعملون معاً في عمل يمكن أن يؤديه فرد واحد أو اثنان منهم»، قد تجلى في توقف المؤسسات الصناعية عن الانتاج وظهور ما يسمى بالفضائيين وهو برأيي شكل أخطر من البطالة المقنعة.
لقد شخص الفلاسفة الاوائل مخاطر البطالة وانعدام العدالة منذ وقت مبكر من التاريخ المعاصر للبشرية، فاستنتجت الماركسية ان احد الاسباب الرئيسة لمشكلة البطالة تكمن في ان الفائض في سلعة معينة يترتب عليه كساد اقتصادي في قطاع معين، ما يعني تراجعاً للدافع الأساسي للمنتجين، وبالتالي السعي إلى الحد من الخسائر عبر تقليص الإنتاج وكلفة الإنتاج بما فيها قوى الإنتاج فيجري اللجوء الى تسريح العمال و تنتج عن ذلك البطالة، وينتشر ذلك الآن في العراق بصورة واسعة عن طريق اغراق السوق بالسلع المستوردة الرخيصة، ما ادى الى عدم مقدرة الصناعة العراقية على الانتاج في ظل عدم قدرتها على المنافسة، يردف ذلك عجز الدولة عن دعم القطاعات الانتاجية، وترافق ذلك مع سوء الاداء والفساد الاداري والمالي ما حول مشكلة البطالة في العراق الى مرض تتفاقم مخاطره يوماً بعد يوم.
ويقول الفكر الاقتصادي الكلاسيكي انه مادامت قيمة الطلب على المنتجات لا توازي كلفة إنتاجها فان البطالة ستتواصل وهو ما يحصل لدينا في العراق متمثلاً بموت الصناعة؛ ولقد جرى تحجيم جزء كبير من المشكلة في بعض المجتمعات الشرقية ومنها مصر عن طريق تطوير الصناعة المحلية، برغم بقاء المخاطر الناجمة عن استمرار المشكلة.
يشير تقرير نشرته وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ضمن دراستها لأوضاع البلدان المتنوعة الى ان نسبة البطالة في مصر تراوحت في اعوام 2006 ـ 2013 بين 10 ـ 30% وخلص المختصون الى ان ذلك نجم عنه زيادة نسب الجرائم، وزيادة الهجرة غير الشرعية إلى الدول الأوروبية، وإقبال اعداد من الشباب المصري على الانتحار للشعور باليأس بسبب البطالة، وعدم قدرتهم على إعالة أسرهم ولجأ شباب آخرون إلى المخدرات بأنواعها‏,‏ وإذ لا يجدون المال الذي يلزم للإنفاق على المخدرات واللهو‏,‏ يلجؤون إلى أساليب «خاطئة» في الحصول علي هذا المال‏، وطبعاً قد يصحب كل هذا شعور من السخط على المجتمع وعلى الدولة التي تتركهم في هذا الضياع بلا حلول‏.
‏ وفي العراق حدد التقرير ذاته نسبة البطالة في عام 2012 بمقدار 16%، في حين كشف وزير العمل والشؤون الاجتماعية محمد شياع السوداني قبل ايام عن ان نسبة البطالة في العراق تجاوزت الـ 25 بالمائة.
وبالعودة الى الدراسة البريطانية فان «التصرف بوفاق ولطف مع الآخرين في أول مدة يكون سبيل العاطلين عن العمل لأملهم أن يجدوا فرصة عمل جديدة، ولكن سرعان ما يتدهور وضعهم ليصبح وكأنه مرض مزمن، الرجال يصبحون بعد العام الأول من البطالة أكثر سرية وانفصالاً عن محيطهم»، وشددت على «ضرورة دعم هذه الشريحة من الناس لمنع هذه التغييرات التي تنعكس سلباً على أي مجتمع».
ويوضح الدكتور كريستوفر بويس، من جامعة ستيرلنغ في اسكتلندا، تعليقاً على ذلك، ان «نتائج الدراسة تقوض الاعتقادات بأن شخصية المرء ثابتة وتؤكد أن تأثير البطالة بالغ جداً على الجانب النفسي للشخص، أكثر مما كان يعتقد».
ان مكافحة البطالة وخفض معدلات الفقر في العراق، مسألة مصيرية، يتوقف عليها مستقبل الوضع السياسي و الديمقراطية في البلد؛ فلا معنى للعملية السياسية من دون تحقيق العدالة ورفع مستوى معيشة الناس، كما ان توفير العمل للناس يعد حاسماً فيما يتعلق بمكافحة الارهاب و الجريمة ومنع توسعهما، و يُفعل عملية اسهام السكان في مواجهة ودحر الارهابيين واعمال العنف المسلح، وغيرها من المخاطر.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة