من يقف وراء اضطراب حياتنا ؟

كاظم الواسطي*

حينما تختّل مظاهر الحياة ، وتتصدّع مفاهيم الجمال وقيّم التشارك المجتمعي المبنيّة على تبادل الثقة بين الأفراد والجماعات التي تعيش على المساحة الجغرافية ذاتها ، بروابط تاريخ مشترك ، تنمو أنواع مختلفة من الفجوّات الضارة بالسويّة الاجتماعية والأخلاقية ، حيث تجد نوازع التسّلط والأستقواء فرصتها الذهبية في تأسيبس بناءاتها داخل المجتمع ، وفي ذات الفرد الواحد. بل أن تكوين الفرد نفسه الذي يكون خاضعاً ، وعاكساً سلبياً لاختلال الجماعة التي تشكّل وسطه ، وبيئة تفكيره ، يُعيد إنتاج هذا الإختلال بصوّرٍ وتمثلاتٍ مشوهة – تعصّب ، نفاق ، غلوّ في الرأي الأحادي ، تسقيط الرأي الآخر ، وإنتقائية من ضفة واحدة تقلّص وتعطّل مساحة التفكير الحر – . وفي هذا المستوى من التكوين تصير العلاقة بين الفرد ونفسه وبينه وبين محيطه العام مركبّة بعوامل الشك والإرتياب والإنغلاق على الذات .
إن خندقة الخلافات السياسية وراء متاريس اجتماعية ودينية تفكك حالة الانسجام الحقيقي مع الذات ، وتجعل العلاقة مع الآخرين في مهّب الأوهام التي تتناسل وتتوالد في أجواء الخصومة ، حيث تضطرب معاني الحياة في ظلالها القاتمة .إن اضطراب الحياة ، وتفكيك المنظومة القيميّة للمجتمع من دون أن تكون هنالك بدائل في تطوير وتحسين الواقع المعيش ، يُصيب التفكير البشري بالانسداد والعوق ، ويخلّ بمنتج العقل الذي يتحوّل إلى بضاعة فاسدة لهذا الإضطراب ، خصوصاً عندما تكون صورة الوطن في أدنى درجات حسّ المواطن ، وضمن قائمة توزيع الغنائم بين ساسة الفئات الحاكمة ، كما هو حاصل اليوم في بلادنا التي تهرّول ، على منحدرٍ حاد ، تحت سياط المتنازعين الفاسدين، ومنتجهم الإرهابي الدمويّ ، إلى الهاوية .
كيف يكون تصرفنا كمثقفين وكتّاب وفنانين في مواجهة حياة مضطربة ، ومجتمعٍ يجري تمزيقه على موائد الفساد السياسي ، بأنيابٍ إثنية وطائفية دائمة الأنقضاض على ما هو مغايرٍ ومختلف ؟ وكيف يتم إعادة الاعتبار لأرواحٍ تزلزلت بنيتها في وسط المعمعمة وتشظياتها الجارحة للأمل ؟
إن الخوف ، في ظل النظم الفاشية والمستبدّة ، أكثر ترويعاً للنفوس من حالات القتل نفسها ، حيث لا حدود لمفاجآته الزمنية ولا توقيت يوقف أشباحه المعشّشة في العقول ، فيكون القتل او الموت ، في أحيانٍ كثيرة ، أكثر رحمةً في مختزله الزمني ، ونوعاً من الخلاص السريع من مطاردة تلك الأشباح على مساحة مفتوحة لترويع النفوس وإذلالها .
إن الخوف يُجبر المرء ، حين يتسلل إلى روحه، عبر وهن مصدّاتها المُقاوِمة ، أن يكون خاضعاً لمشيئته، ومسّلماً لما يأمر به بعد ان يتم تجريد إرادته من ردود الفعل ، حتى غير المساوية لأصغر جزءٍ من الفعل نفسه ، وهو ما تتمتّع بقيّة الكائنات الأخرى من دفاعات إزاء الأخطار التي تتهدّد وجودها . ويحضرني الآن مثالٌ في هذا السياق اللاإنساني والذي كان دون شرط الآدمية بكثير : في عامي النزاع الأهلي 2005 و2006 إستطاعت بعض المجاميع المسلحة أن تسيطر على مناطق في جنوبي بغداد ، وفي حيّ قريب من الصويرة . تقف سيارة أحد تلك المجاميع على مسافة من سوقٍ شعبيّ هناك ، يقوم أحد المسلحيّن بمد يده من بعيد في إشارة لمتبضعٍ شاب ، وحالما يرى ذلك الشاب الاشارة ، يترك كل شيء ، ويأتي راكضاً ليفتح صندوق السيارة ، ويستلقي فيه بوضعٍ جنيني ، بعدها ينطلقون به .. هو الخاطف لنفسه ، بيديه ، خوفاً !! هل هذه الصورة – وقد نُقلت إليّ من رجلٍ موثوق كان حاضراً هناك – أقل أيلاماً ووجعاً وهدراً للكرامة من رصاصةٍ تنقله في لحظةٍ واحدة إلى سكون الروح ، عند عدم الإستجابة وقوفاً في المكان أو الركض هرباً من خطرٍ لا يقوى عليه ؟ قد يقول قائل لمَ تورد هذا المثال كما لو أنه معادلة حتميّة فرضتها قوة لا تُقهر ، وكأنك بذلك تعمل إشهاراً لها في وقتٍ حسّاس يحتاج إلى صورٍ للتفاؤل ؟
إذا لم نمتلك القدرة على النظر في عمق الهاوية ، حتى وإن كانت مختزلة بمشهدٍ عابرٍ منها ، فكيف يمكننا رسم صورة واضحة لفعلٍ مختلف في مواجهة هذه الأشكال من الخوف ، التي لايمكن الهرب منها بإغماض العينين ، أو النكران الزائف الذي هو ، أيضاً ، نوعٌ من الخوف المؤجل ، يتراكم في النفوس ، ويتمظهر بهيئات مسوخٍ قادمة . إن كشف ما يحدث بتفاصيله الأصغر، والتعرّف على الدوافع الحقيقية وراء الفعل الجرمي المنتج للخوف ، يمنحنا فرصة ما لفك شيفرة الأوراق المختلطة بين لاعبي السلطات ذوي « الياقات البيض « وبين لاعبي الموت والقتل المنظّم ، بسكاكين ذبحهم المشهرة اليوم أمام الأنظار . ومثل هذا الكشف ، خصوصاً إن كان مبكراً وليس كما تأخر كثيراً في العراق ، يُمكن أن يخلق دوافع مغايرة لتفكيرٍ أكثر وضوحاً تنمو على ضفافه نبتات الحياة المقاومة للقبح وشناعة السلوك اللاإنساني .
إن ما نشهده من ممارساتٍ شنيعة للعنف والقتل وسيطرة الإرهابيين على مناطق واسعة من أرضنا، هو في أكثر جوانبه تأثيراً ، وليد إضطرابات حياتنا السياسية وإختلالاتها البنيويّة العميقة ، التي رسّخت الفجوات الطائفية ونشرت الفساد في مفاصل الدولة والمجتمع ،وهي من سهّل للقوى الخارجية التدّخل في مسار حياتنا ، وتحريك دمى السياسة على وفق مصالحها الآنية وإستراتيجياتها بعيدة المدى .وبات الحديث عن مفاهيم الديمقراطية ، والحرية، والتداول السلمي للسلطة ، والشراكة الوطنية ، مجرّد شعارات جوفاء مفرغة من مضامينها الحقيقية ، يعرف الناطقون ، رياءً ، بحروفها، أنها كلمات السر التي تضمن لهم المرور من بوابات السلطة والنفوذ بتأييدٍ شعبي يضمنه عديد الأصوات التي لم يعاد تأهيلها من الإختلالات السابقة ، لا التصويت الحقيقي الذي يتوالد وينمو في ظل تجربة اجتماعيىة – سياسية وثقافية ، لها وسطها المدني المتحرّر من ثقافة التماثل القطيعي ، وبيئتها الناضجة لتنشيّط غرائز الحياة وتهذيبها بأشكالٍ تنظّم طرائق التفكير في عقول الأفراد والجماعات ، ويجعل سلوكياتهم أكثر رقّة ومرونة في المعاملة والتصرف فيما بينهم.
وفي هذا السياق كتب وِل ديورانت عن الحضارة بأنها « تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق ، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف ، تحررّت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء « . فكيف يمكن بناء نظمٍ ديمقراطية حقيقية ، وإنسانٍ متحضّر في تفكيره وسلوكه ، هنا أوهناك ، في ظل قوىّ تنشر صور القتل البشعة ، وأشكال الترويع النفسي ، على مدار الساعة ، في شاشات هذا العالم العابرة للحدود ؟ وهل أن العقل البشري أصبح عاجزاً عن إيجاد حلولٍ جذريّة لهذه القوى المنتجة للخوف والاضطراب ، أم أن هنالك من يُريد تطويع هذا العقل بإتجاه الخراب ؟

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة