أنسي الحاج.. محاولة في تقشير اللغة

في ذكرى رحيل أنسي الحاج نفتش الكثير من أوراقنا بحثاً عن صورة المغامر الأول، وحكايته التي ظل يهجس بها، بوصفها تجاور حكاية مغامرته في الكتابة، فبدءاً من قلق معرفة الحرية الى محاولة تسكينها اللغة، تلك التي تكون القصيدة فيها قد لبست زياً آخر، وتورطت في لعبة فائقة، إذ تدفع الشاعر للنفور عن التاريخ والمعنى والشكل، وباتجاه أن تكون كتابة الشعر تعبيراً عن وعي مفارق بالحرية باللغة، والرؤية، وبعملية صناعة المعاني، أي التوقف عن التقاطها من الشارع العمومي كما كان يتوهم الجاحظ، والبدء بصناعتها داخل الوعي، وداخل اللغة..
أنسي الحاج شاعر مديني، لا تشمّ رائحة البداوة في قصيدته، وهذا المعطى يمنحها أناقة وسحراً وتدفقاً، مثلما يضفي على استعارتها نوعاً من الغموض، ذلك الذي يثير الأسئلة، ويدفع باتجاه الاستغراق في السري والمضمر واللذوي، فضلاً عن ما يدفعه لتعرية الكثير من الأغطية التي تركتها البلاغة على رأس الشاعر وقصيدته..
في مجموعة (لن) عام 1960 خرج الشاعر بلافتة الرفض ليقول ما يلتذّ به من احتجاج، وما يمكن أن يحرّضه على المزيد من الوعي والبحث والتعرية، لكي يعيد ترتيب (الرأس المقطوع) على الجسد التائه، وأن يدعو (ماضي الأيام الآتية) لتسليم عدته لنوع من المغامرة، تلك التي تدفعه للتساؤل عن سر ( الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع) داعياً الجميع الى(وليمة) شعرية باذخة، وليمة قليلة الدسم البلاغي، لكنها أيضاً تكشف عن دسومة في الوعي الشعري، وفي التعرّف على سرائر المطبخ والبيت والشاعر والمدينة، تلك التي يضعها الشاعر عند فضاء الكلمات وعند الخواتم التي ألقت مراسيها أمام أفق الكلام، وأفق الرؤية، وبما يبيح له أن يمارس وظيفة الرائي بإمتياز..
أنسي الحاج شاعر يفكر في قصيدته، وهذه المهارة أعطته خصوصية تكثيف العالم داخل الفكرة، وبما يطلق له العنان لممارسة لعبة الكتابة، وتقشير الوجود من خلال أزميل اللغة، وفضح ما يمكن فضحه، حدّ انه يبدو وسط جيل المغامرين الكبار (يوسف الخال، أدونيس، شوقي أبي شقرا) وكأنه المبشّر برؤيا القصيدة الجديدة، القصيدة التي تسعى لترميم العالم، وتأهيله غوايته في تلمّس ما تبوح به اللغة، وما يفصح عنه الجسد..
حكاية الشاعر الأنقى التي قالها عنه أدونيس ترتبط بنقائه المعرفي، أي نقاء الوعي الجديد، وعدم تلوثه بغبار التاريخ وأوهامه، وإصراره على أن يجعل القصيدة هي الروح التي تمنح الحياة للغة، وأن تعطي لإنزياحاتها شهوة البوح، وتدفق سيولتها، بحثاً عن قارئها غير الأليف، وغير المتواطئ، انه شاعر رفض، ورغبة، وبراءة، وأحسب أن شاعراً بهذا الامتياز سيكون هو الذي يدفعنا نحن الأولاد المسكونين بالمغامرة لكي نواصل لعبة البحث، ولعبة التسلل الى كل الخبايا، والتلصص على الجسد اللغوي والجسد الشعري لأن يكونا عند عتبة الشغف دائماً، حتى لا تظل القصيدة ملتاثة بالتكرار، وأن لا يظل الشاعر متورطاً بصناديقه العائلية وما تبقى من صورة الأب بشاربيه الغليظين، ووجهه الصارم وأناقته المفرطة..
لعبة أنسي الحاج هي رغبة دائمة لنزع صورة هذا الأب البلاغي، والأب الرسمي، ومحاولة لتعرية الحائط، إذ تبدو القصيدة فيها هي الأقرب إلى لحظة رولان بارت في الكتابة صفر…
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة