الفيلسوف يطرق الباب

عصام العلي

لوحة (1)
على تلك الوسادة استلقى من تعب ذلك اليوم، انسدلت عيناه وتنفست جفونه, بهدوء, حتى أصبحت في فضاء مليء تغمره الأضغاث والحقائق سكون يدنو, خطوات متزنة, هادئة لا تكاد تسمع, أنفاس تقترب من الباب: طق.. طق..
أصابعه عند فتحه تنتظر, لكنها ترتجف.
سحب قبضة بابه الخشبي الذي اعتاد على طرقه الفقراء…
غير معقول, وغير منطقي. أحسه بروحه المثالية في حجرة منزله, مستأذناً بلطف, دخل إلى الحجرة بانفعالاته الخجلة يغض الطرف حياء له.. نظرات كبريائه ساجدة, ملامح شموخ, لا يشبه التمثال تردد (همام) في أن يمد شعوره إليه, ليداعب حكمته, فإذا به يطل من نافذته الصماء التي رسم المطر على زجاجها خطوط الأتربة المبللة. توغل بنظره إلى زوايا زقاق قديم الذي أفصح عن أشياء.. جسده قد استقر, وثبت في مكانه… نظر ملتفتاً برأسه إلى تلك الطاولة التي أكل عليها الدهر وشرب, والتي اضطجعت عليها مآدبه الأوراق, تبعثر بعضها واصطف الباقي مع بعضه الآخر, وقد وشمها الأرق ودوّنتها خواطر قلم, تحت نعاس المساء, عطشى للورق.
مع هدوء ذلك السكون, أكمل الفيلسوف تحديقه, فرأى تجاعيد همام الشابة.
عين على الأوراق المبعثرة, وعين على وجهه.
الفيلسوف سائلاً:
– هل أنت كاتب؟
– همام مضطرباً: نعم
ما لبثت أن تحركت حروفه من تلك الشفاه, وأسرعت ارتباكاته بالهدوء قائلة: التهميش أتعبني..
– الفيلسوف: التهميش أقل حمقاً من التهشيم ويفصح زمانك عن خوف في صدرك
– همام: خوفي من محبرتي, وعندها سيقام الحد على فكري قبل سماعي, ولن يصل بعدها أبداً.
– الفيلسوف: سيصل في يوم ما.
– همام : قبلها سأصل الى لحدي.
– الفيلسوف: لا تيأس قد تحكم العالم من قبرك.
– همام : حقاً؟
سحب الفيلسوف نفسه ليخرج زفيره, مستيئساً, ولكنه أشار بإيماءة إلى هؤلاء الحمقى (أصحاب السذاجة)
أجبته:
– تفاهة عقولهم قد أرتضيها لهم, ولكن لن أرتضي انحناء فكري إلى تلك العقول.
– الفيلسوف: ماذا تعشق؟
– همام: زحام الأفكار, ضجيج الأنامل, وهدوء القلم عند كتابة أسطورة.
تحدثت كثيراً عن نفسي قاصداً الخروج من تشاؤمي متفائلاً..
– همام: كيف أنت من ذلك الصراع ؟ حلا له ولعقده..
– أجاب الفيلسوف: سأحل ذلك الصراع…. !!!

لوحة (2)
ضجيج غامض, تهديد ووعيد, لا تميز أذن همام ضوضاء ذلك الصياح.. أقض ذلك مضجعه. هرع مسرعاً, أقدامه لا تأبهان بتلك السلالم المتأرجحة, لقدم بنائها الهش, تقفزان بين جداول المياه المنسابة من ((غسيل أم عباس)).
لمحت عيناه بين ذلك الزحام الذي يكتنفه الغموض والدهشة.
تلك الطفلة ((براءة)) المرتعبة من ذلك الصوت الذي أربك دفء دميتها التي طالما كانت تنشد لها بأغنية صادقة, هادفة, مكسرة الحروف.

وصل إلى باب المكتبة أسفل الزقاق بالقرب من منزله الذي كان يمتلكه ذلك العجوز صفوان. رأى أولئك الذين توحي نظراتهم بالشر كان وما زال يتذكر رجلاً من بينهم يحمل على عاتقه مآرب الغدر وعينه لا تصور إلا خبثاً جسده غيم أسود.

شاهد ذلك العجوز بين انحناء ظهره واصطكاك أسنانه المركبة في فهمه, المبعثرة انفعالاته سأله همام
– من هؤلاء ؟
– العجوز: حاجتي للمال لشراء المكتبة جعلني أمد يدي باكية لهم
كانت دمعته محبوسة في جفونه صورتها الحيرة في فوضى الانكسار وهو يردد: ديوني ..
– همام¬¬¬: لماذا لا تسدد لهم؟
– العجوز: كيف ؟! ومكتبتي خرساء لا تتكلم ومقل كتبي لا تستعطف قارئيها.
– العجوز: و أنا لا يهمني سداد المال بل..
– همام: بل ماذا ؟
العجوز- إن لم أسدد لهم سيدبرون لي مكيدة
همام – مكيدة !!

لوحة (3)
انزاح همام بجسده ولم ينصرف بفكره عن ذلك العجوز الذي لا يقوى على المكائد.
كانت الساعة الحادية عشرة قبل منتصف ذلك الليل, ومازالت عيون همام متعبة قد أسرها النعاس. عاودت خطواته أدراجها حينما تأنت على ذلك السلم الذي يتابعه دائماً هو مدين له وظل التعب والنصب مهيمناً على جسمه..
تعرش رأسه الوسادة بين ذهول لما حصل للعجوز صفوان وبين أمنية تلوح بأن يرى الفيلسوف في أحلامه.

انطبقت جفون همام وأبحرت أفكاره هادئة لتسبح في منامه.. يطرق الباب..!! فرحت قدماه وأسرع لصوت ذلك الحسيس تنتبه له أذنه لتفتح أصابع يده ذلك الباب وبين اسيقاظة همام وحلمه الذي ظن انه مازال في رأسه باحثاً عن فيلسوفه.. حتى رأت عيناه رجلاً قد رسمت على ملابسه خرائط الدخان الأسود وبدت اضطرابات صوته المتقطعة تختنق, نحول ركبتيه الملتصقتين بالأرض لا تقوى على النهوض
همام- ماذا حصل يا صديقي العجوز؟ هل حرقت دارك؟
العجوز ليتها حرقت, لقد أحرقوا مكتبتي وكتبي

استرجل نظراته لتغادر ضعفها ولكن.. مازال الحريق يحصد الأوراق, ومازالت خيالات النيران تأكل الكتب وترتجف على حائط منزله.
عندها أدرك همام المكيدة وأحس باستيقاظه وأدرك حقاً

أن الفيلسوف لن يأتي, لن يأتي أبـداً أبـــــداً..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة