تكدّس المُستقبل

بعد لحظة «الثورة السلبية» التي حملتها أمواج الربيع العربيّ، شاع الحديث ورصفت المانشيتات حول مستقبل هذه المجتمعات. ولم يرتفع بعد الأحداث التي ألمت بالعراق ودول المنطقة السؤال بشأن مستقبل منظومة الإعلام العربية. منظومة الإعلام تحدثت عن مستقبلنا نحن المجتمعات ونسيت نفسها! ووسط هذا الجو المضطرب بدا كل شيء قابلا للتغيّر. حتى نوع المآسي التي تضرب هذه البلدان. والإعلام العربي مازال بعيدا كل البعد عن المجتمعات التي شبعت مللا من ألاعيب التعبئة، وتزويق طلة السلطة العربية الشمطاء، والبؤس التحليلي الذي يدير دفته الفوضويون الجدد الغاطسون في عسل الأموال القادمة من وَبَر الفرق الناجية.
للإعلام العربي إسهامته الجيدة في الولولة على الهزائم والإبقاء على الانحلال القيمي والأخلاقي كما هو. إن لم يزد عليها من الشعر بيوتا!
يُقال إن الإعلام محرقة. ويُشار بذلك إلى ضرورة توافر موادّ النّشر في جوانب المقروء والمسموع والمرئي. ولكن الإعلام لم يكف عن انتقاله من حاوية للمحروق إلى مُصدّر للحريق. وخصوصا في ما يتعلق بتداول الأحداث على الساحة العراقية التي لم يهدأ فيها ملفّ الأمن إلى الآن. ولا يتعلّق الموضوع هنا بخبرة الخبرة بل بخبرة الأجندات: الأخيرة حذفت الأولى.
غالبية وسائل الإعلام لها أجندة. حتّى الاستقلال هو أجندة. ولكن. كل الأمور تكمن وراء هذه الـ «لكن». ويقال أيضا أن الإعلام العربي يحتاج إلى مراجعة. يقال ذلك في وضع يتطلب مراجعة للوضع القيمي برمته. فهل الأمر سهل؟ وهل بتنا إذن على مقربة، ولم يبقَ لنا سوى أمر المراجعة هذا؟ تكون المشكلة اليوم في المراجعين أنفسهم في مجال إعادة الاعتبار للإعلام كجناح ترتفع عليه حرية التعبير، وتوافر المعلومة وتداولها بلا سمّ أو عسل تحت غطاء اللعب اللغوي المختوم بالنوايا والتّربصات الخطيرة والميول الذاتية. إن الإعلام العربي اليوم يناقش أعقد مشكلاتنا العربية و»أعوصَها» بنوع من انعدام المسؤولية التي تم الاعتياد عليها. صعبٌ تبرئة مؤسسة. ويمكن تبرئة أفراد، وبالطبع لايمكن تبرئة الأفراد الذين يحوّلون أنفسهم إلى مؤسسة. وماذا يقدر أن يفعله الأفراد-غير المُتحوّلين- أمام رياح المؤسسة العربية العاتية؟ هناك يأس عارم. وربما هو الطريق الوحيد للأمل. هذه حكمة شاعرية. لم تعد تنفع كحجة أمام الواقعيين «المُحترمين»؛ فهم يحبون الواقع! وطالما كانوا لصيقين به بعدما أشبعوا «نبض الشارع» دراسة وفحصا وصرنا لانفرق بينهم وبين الشارع نفسه من شدة الشبه!! لذلك هم يمتلكون حكمتهم الشاعرية الخاصة. قد نسميها شاعرية الواقع، وقد نسميها غير ذلك.
ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة