يونادم كنا: لا يجوز لنا ترك البلاد كلما تعرضت لمحنة

رئيس كتلة الرافدين يكشف الى»الصباح الجديد» أسباب هجرة المسيحيين

حوار مشرق الاسدي:

تعرض المسيحيون في العراق ـ ومكونات أخرى ـ لشتى أنواع التهجير والقتل والمطاردة، على يد الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية. فمنهم من ترك البلاد على إثرها؛ ومنهم من قرر النزوح بعيداً عن أرضه.
ويكشف رئيس كتلة الرافدين البرلمانية النائب يونادم كنا عن أكبر عملية هجرة لمسيحيي العراق، حدثت بعد استهداف كنيسة سيدة النجاة، التي هاجر على إثرها نحو أربعة آلاف عائلة بفترة قصيرة جداً. وعلى الرغم من احترام كنا الحرية الشخصية وقرار المواطن بالبقاء في البلد أو الهجرة، لكنه يرى ضرورة التصدي لأجندة خارجية تسعى لإفراغ العراق والمنطقة من المسيحيين.
وفي هذا الشأن؛ وشؤون أخرى؛ يتحدث رئيس كتلة الرافدين لـ»الصباح الجديد»، في حوار موسع أجري بالتعاون مع قناة «الديار» الفضائية.

كيف تصدر يونادم كنا المشهد السياسي بعد (2003) وحتى الآن؛ كممثل عن المسيحيين؟
– هذا الأمر أتى عبر تراكم تأريخي. فنحن تصدينا للسلطة الديكتاتورية منذ عام (1970). وفي عام (1979) شكلنا حركة سميت «الحركة الديمقراطية الآشورية» ومارسنا الدور ذاته، وعملنا مع المعارضة العراقية بشتى صنوفها الإسلامية والديمقراطية والكردستانية – جنباً إلى جنب – في الشام أو في إيران أو في جبال كردستان أو في بغداد.
في الفترة التي امتدت من عام (1991) وحتى عام (2001) كنت أعمل في المعارضة في إقليم كردستان، وكان لنا تمثيل في البرلمان هناك؛ وما يزال حتى الآن.
وهناك سبب آخر، هو تواصلنا مع الناس ونكراننا للذات دائما، وربما هو السبب الرئيس الذي يدفع بالجمهور لذكر أسم يونادم كنا في معظم المحافل.

على الرغم مما ذكرت إلا أن هناك انتقادات كثيرة على شخص يونادم كنا، جلها من المسيحيين؟
– هذه الانتقادات تنقسم إلى قسمين الأول يأتي من أناس مخلصين وأوفياء لكنهم لا يفكرون بموضوعية. فهم يريدون إمبراطوريات – كلدانية وآشورية – ويونادم كنا لم يستطع أن يحقق ذلك! ولن أفعل ذلك لأنني لست مؤمناً بالتمييز العنصري أو التطرف القومي أو الديني، لذلك ترى هذه الفئة غير راضية عني.
أما القسم الآخر فهم من أصدقائي والذين كانوا معنا وأرادوا أن يكونوا وزراء أو مدراء عامين أو غيرها من المناصب المهمة، لكني لم أستطع أن أضعهم في تلك المناصب.

هل أثرت هذه الاعتراضات على شخص يونادم كنا؟
– على العكس من ذلك، فأنا لم أتجاوز على أحد ولم أسرق أرض أحد، بل أن صناديق الاقتراع هي من اختارت يونادم كنا. وعلى ما يبدو فإن هذا الأمر يزعج البعض.

هل ترى بأنك تمثل مسيحيي العراق؟
– أنا أمثل من انتخبني وكل الشعب العراقي، وكثيراً ما تدخلت في أمور ودافعت فيها عن مظلوميات في محافظات البصرة والنجف ونينوى وغيرها من محافظات البلاد.
بريمر يقول في مذكراته بأنك استطعت إقناعه في أن تكون ممثلاً وحيداً للمسيحيين؟
– أنا لم أجلس مع بريمر؛ ولم أطلب منه أن أكون في مجلس الحكم، بل كنت وقتها في كركوك وطلب مني مساعد بريمر أن أشارك في مجلس الحكم؛ لكني لم أطلب ذلك من بريمر.
إن الحاكم المدني بول بريمر اختار شخصيات مجلس الحكم بدهاء شديد، إذ اختار نحو (12) شخصية عراقية لها تاريخ طويل وتتمتع بشعبية كبيرة؛ مثل جلال طالباني ومسعود بارزاني والسيد الحكيم وغيرهم، وهؤلاء يعدّون من الشخصيات المرموقة في البلد؛ وممن تصدوا لنظام صدام.
وما عدا هذه الشخصيات. اختار بريمر شخصيات أخرى منتخبة في محافظاتها حتى يكمل مجموعة أطياف المجتمع، فاختار على سبيل المثال رئيساً لنقابة الاطباء من محافظة الديوانية، ورئيساً لنقابة المحامين من بابل، إضافة إلى شخصيات أخرى كان لها تعامل مع القوات الأميركية سابقاً.

ما الذي تغير في العراق بعد كانون الثاني عام (2011)، أي بعد انسحاب قوات التحالف؟
– مع الأسف الشديد لم توفق القيادات السياسية في إدارة البلد بعد الانسحاب الأميركي، وانشغلت بالصراعات السياسية والخلافات. وهذا الأمر جعل العراق يشهد حرباً بالوكالة، تمثلت بسيطرة داعش على أجزاء كبيرة من البلاد بعد حزيران الماضي، والضحية أبناء الشعب.
بعد انسحاب القوات الأميركية خسر العراق الكثير. ولكي أكون منصفاً فإن العام الأول بعد الانسحاب سرنا بخطوات جيدة، وكان للجيش العراقي دور مهم، لكن المصالح الشخصية للسياسيين وتناغم بعضهم مع دول خارجية أزم الوضع وأرجع البلد إلى الخلف.
ونرى بأن السياسيين يتحدثون عن السيادة، فيما هي مسلوبة، إذ أن نحو (600) كم الحدود السورية والعراقية مفتوحة أمام من هب ودب، إضافة إلى (300) كم بين العراق والأردن، و(358) كم بيننا وبين تركيا، و(700) كم مع السعودية. كلها تعيش الوضع ذاته.
في فترة تواجد القوات الأميركية على أرض العراق، كان للأميركان دور ضاغط على المرجعيات السياسية في العراق، لكن المشكلة هو أنهم لم يأخذوا بآرائنا ومقترحاتنا، وعملوا بما يريدونه هم حتى أوصلوا البلد إلى ما هو عليه اليوم.
الدور الأميركي لم يكن موجوداً في تلك الفترة وحسب، بل أن الحكومة التي تشكلت مؤخراً أتت بسبب تهديد «داعش» وضغط أميركي.
إن هناك ثلاثة أنواع من الصراعات في البلاد، الأول طائفي مذهبي يمتد لنحو (14) قرناً من الزمن؛ يجب أن نضع حداً له؛ والثاني صراع قومي بين بغداد وأربيل. أما الأخير فأنا أسميه صراع قابيل وهابيل، وهو أن الجميع يرى بأنه الأفضل ويريد أن تجري الرياح بما يشتهي.

لماذا يستهدف الإرهاب عادة الأقليات وتحديداً المسيحيين؟
– ما تعرض له المسيحيون في أحداث (2005 ـ 2006 ـ 2007)، قد يختلف نوعاً ما عن الأحداث بعد حزيران الماضي، فما جرى في تلك الفترة أشبه بحرب أهلية غير معلنة، اشتركت بها جهات سياسية ومليشيات مدعومة من الخارج لقتل وتهجير مكونات معينة.
ما جرى على المسيحيين في تلك الفترة كان بفعل «القاعدة» والمافيات. والأخيرة على نوعين، الأول من أزلام النظام السابق وعتاة السراق والقتلة، أما النوع الثاني فهم من سماسرة بيع وشراء الدور، الذين عمدوا إلى تفجير بعض المنازل التابعة للمسيحيين حتى يهجرونهم ويشترون منازلهم بأسعار بخسة.
أضف إلى ذلك، الحادث الإرهابي الذي استهدف كنيسة سيدة النجاة، الذي أودى بحياة نحو (45) شخصاً من المصلين. هذا الحادث كان له وقع كبير على أبناء هذه الأقلية في بغداد حتى هاجر بعدها نحو أربعة آلاف عائلة بفترة قصيرة جداً.
بعد هذه الأحداث هربت «القاعدة» إلى حواضن جديدة في بغداد والموصل وحوض حمرين وغيرها من المناطق، وعملت على استهداف المسيحيين وأتباع أهل البيت (ع) أيضاً في تلك المناطق.
أما ما يحدث اليوم، فهو استهداف لكل ما في البلد بأطيافه ومكوناته، إذ بدأ الإرهاب أعماله باحتلال مدينة الموصل مروراً بتلعفر وصلاح الدين والأنبار وديالى وشمال بغداد.

لماذا تقف بالضد من هجرة المسيحيين إلى الخارج؟
– الحكومة لم توفر المعونات للمهجرين في داخل العراق، ولم تصرف لهم رواتبهم أو تخصص أماكن لإيوائهم. وفي ظل ارتفاع بدلات الإيجار خصوصاً في إقليم كردستان، اضطر العديد من المسيحيين إلى الهجرة داخل البلاد.
الخوف من المستقبل، وانعدام الخدمات والوضع الأمني المتدهور، كلها أمور تدفع المواطنين إلى الهجرة وترك البلاد.
وفي مقابل ذلك هناك عوامل جاذبة لهؤلاء المواطنين، توفرها الدول الغربية وفقاً لأجندات معدّة.
أما معارضتي للجوء المسيحيين إلى الخارج، فأنا أعتقد بأنه لا يجوز لنا ترك البلاد كلما تعرض لصدمة! وهنا أريد أن أوضح شيئاً، نحن في العراق ليس لدينا أناس في السجون بتهم المخدرات، في حين في ولاية شيكاغو الأميركية يوجد نحو (1300) شاب وشابة من المسيحيين يقبعون في السجون بسبب المخدرات والانحلال الخلقي، وفي استراليا يوجد (400) شخص في السجن للأسباب ذاتها.
نحن في العراق ـ بغض النظر عن الظروف التي يمر بها البلد- محترمون في أرضنا وديارنا. ولا يمكن للشعب أن يترك بلده ويهاجر إذا ساءت الظروف.
أنا مع احترام الحرية الشخصية وقرار المواطن بالبقاء أو الهجرة، لكن عندما أجد بأن هناك أجندة خارجية تسعى لإفراغ العراق والمنطقة من المسيحيين يجب أن أتصدى لها.
وهنا يتبادر إلى ذهني سؤال مهم. لماذا تستطيع مئات المكونات أن تعيش بسلام في جميع دول العالم، في حين هذا الأمر غير ممكن في العراق؟

لماذا لا يمكن للمكونات العراقية أن تعيش بسلام في البلد؟
– العراقيون أصبحوا أسرى لصراعات تاريخية. هناك (30) ألف ميكرفون يخطب في كل يوم جمعة وأحد، لا تلتزم جميعها بما أوصى عليه الله. وجميعها أدت إلى انتشار ثقافة الحقد والكراهية. وهذا يضع الحكومة أمام مسؤولية معالجة هذا الأمر.
من جانب آخر.. يجب أن تثقف المناهج التربوية المجتمع، بالحرية والمساواة والعدالة، وأحقية جميع المكونات في العراق بالعيش في هذا البلد كشركاء.
المادة (14) في الدستور تقول أن العراقيين سواسية أمام القانون، بغض النظر عن انتماءاتهم أو ألوانهم. ووفقاً لتلك المادة، يجب أن يُشرع قانون ضد التمييز العنصري في البلد، أسوة بمعظم بلدان العالم.
نحن في البرلمان مصرون على تشريع مثل هكذا قوانين وقوانين أخرى مرتبطة به، فمسؤولية الدولة حماية الفرد من الإكراه الديني أو الفكري أو السياسي، فالدستور كفل هذا الأمر لكن على أرض الواقع لا يوجد أي قانون مُشرع.

هل انتم ممثلون في الحكومة أم لا؟
– رئيس الوزراء حيدر العبادي وعدنا بذلك. لكنه حتى الآن لم يف بوعده، ولا نستطيع الضغط على الحكومة لأن مواجهة الإرهاب و»داعش» أولى من ذلك. على الرغم من إن هذا الأمر لا يعدّ مبرراً لعدم تمثيلنا في الحكومة حتى الآن.

لكن المكون المسيحي ممثل في الحكومة بوزارة العلوم والتكنولوجيا؟
– وزير العلوم والتكنولوجيا لا يمثلنا، فهو لم يُرشح حتى من قبل كتلته، وهذا الأمر يقر به الأخوة في التحالف الوطني ورئيس الوزراء أيضاً.
نحن خمسة أعضاء في مجلس النواب عن المكون المسيحي، لم تحترم إرادتنا عند اختيار الوزير، وخرجنا في وقتها بمؤتمر صحفي وقلنا بأن وزير العلوم والتكنولوجيا لا يمثلنا.
نحن لا نريد أن يتم تصوير الأمر وكأننا نطالب بامتيازات ومكاسب، بل نريد أن تُحترم إرادة هذا المكون العريق. فقبل نحو عامين صوت مجلس النواب على منح المكون المسيحي ثلاثة آلاف درجة وظيفية، لكنها تبخرت في داخل الحكومة ولم نحصل سوى على بضعها في الوزارات الأمنية.
وعلى سبيل المثال.. كان لدينا (25) خبيراً من أصل (65) يعملون في البنك المركزي، أما اليوم فلدينا ثلاثة فقط وهم على أعتاب التقاعد. ويمكن أن نقيس هذا الأمر على جميع الهيئات المستقلة في البلد. وهذا يعدّ خرقاً للدستور، لأنه نص على تمثيل المكونات وليس تمثيل الكتل السياسية.

كنت رئيساً للجنة العمل والشؤون الاجتماعية في الدورة البرلمانية الماضية، ماذا حققت لجنتكم؟
– في الدورة الماضية أنجزنا عدداً مهماً من القوانين، مثل قانون ذوي الاحتياجات الخاصة والمعوقين وقانون العمل وقانون الحماية الاجتماعية التي تعد من أرقى القوانين التي أنجزت وبمعايير دولية.

ماذا عن الأنباء التي أفادت بوجود «فضائيين» في شبكة الرعاية الاجتماعية؟
– نحن كشفنا هذا الأمر منذ نحو عامين وفي جميع المحافظات، لكن الخطأ الكبير هو إننا لا نملك رقماً وطنياً أو نظاماً ضريبياً حتى تكون الإحصائيات والأرقام واضحة. فيمكن لشخص يمتلك أموالاً طائلة وسيارات أن يدعي بأنه عاطل عن العمل ويُخصص له راتب.
لذلك نحن نحتاج إلى إجراء تعداد سكاني ورقم وطني، إضافة إلى تفعيل النظام الضريبي حتى يمكننا أن نشخص الفئة الضعيفة التي يمكن أن تُشمل بقانون الرعاية الاجتماعية، ونمنع شمول غير المستحقين براتب الشبكة.

هناك إجراءات تقشف في قانون الموازنة، هل ستُشمل رواتب الموظفين وشبكة الحماية الاجتماعية بهذه الإجراءات؟
– العراق لا يمر بأزمة اقتصادية، بل هناك أزمة نقدية وسيولة مالية، بسبب مخلفات «داعش» وعمليات تهريب النفط، لذلك توجهت الحكومة إلى إجراءات تقشفية وادخار إجباري وغيرها، لكن هذا الأمر لا يشمل القوات المسلحة والموظفين البسطاء والمتقاعدين، بل يشمل أصحاب الدرجات الخاصة ممن يتمتعون بمخصصات كبيرة جداً.
أما المشمولون بشبكة الرعاية الاجتماعية، فهناك توجه من قبل وزارة المالية بتأجيل تطبيق قانون الرعاية الاجتماعية الذي شُرع في الدورة البرلمانية الماضية، ونحن ضد هذا التوجه.
القانون ينص على أن يكون أدنى راتب تقاعدي (400) ألف دينار. أما بالنسبة لرواتب شبكة الرعاية الاجتماعية فتكون من (105) آلاف دينار وحتى (420) ألف دينار، لكن ما يمر به البلد من أزمة نقدية قد تؤجل تطبيق هذا القانون.

مقالات ذات صلة