التغييرات الإدارية الاملة و سيلة الإصلاح الممكنة

صادق الازرقي *

لم يكن الفرح بإسقاط نظام صدام حسين، وليد لحظته كما يعرف الجميع؛ بل انبثقت برهة الابتهاج بعد سنين عجاف عاشها العراقيون في ظل اقسى حكم دكتاتوري عرفه التاريخ، ولولا الاخفاق الذي تسبب فيه السياسيون طيلة السنوات الاثنتي عشرة التي اعقبت ذلك الحدث التاريخي، الاخفاق الذي شمل كل شيء؛ لكنا الآن في اشد حالات السعادة والسلام و الاستقرار.
كان العامل الرئيس في ذلك الفشل الذي لم نزل ندفع نتائجه الكارثية حتى الآن، هو الاداء الفاشل لمعظم السياسيين والمسؤولين، الذين تبوأوا مناصب تنفيذية عليا، أو اولئك الذين كانوا في حلقات ادنى، الذين اختيروا على وفق النظام الطائفي والاثني الذي رُسم لمدة ما بعد صدام، في ظل تسابق محموم للذين تسنموا تلك المناصب على نيل المغانم والمكاسب، واستقطاب حاشيات من الاقارب بحجة الحماية من الارهاب؛ ولقد ادى ذلك الى تكوين مجموعات ضغط في الوزارات والمؤسسات، نتج عنها بقاء كثير من المسؤولين غير الاكفاء في مناصبهم ذاتها برغم انهم لم يقدموا شيئا للناس.
و ليس من المنطقي ان يبقى المسؤولون ذاتهم، بالرغم من الاخفاق الذي يقر به الجميع، بمن فيهم المسؤولون في المناصب نفسهم! وتلك من اغرب المفارقات.
ثمة بعض اوجه الشبه للوضع لدينا، بما حدث في روسيا عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، ولكن الروس تداركوا امرهم في عشر سنوات، في حين لم نزل نحن نعاني، اذ بالرغم من ان سياسة الغرب، رحبت بانتهاء الاتحاد السوفييتي كدولة، فان المؤرخين والمحللين يتفقون الآن على ان حكم «يلتسين» الذي اعقب انهيار الاتحاد السوفييتي كان «تسلطياً وان الفوضى الفعلية التي كانت تسود في عهده لم تكن بمنزلة الديمقراطية»، ويشيرون الى ان «الطبقة الوسطى في ظل حكم يلتسين خلال العشر سنوات كانت كسيحة وقليلة العدد وكانت تعاني مع أصحاب الأعمال الحرة الصغيرة والمتوسطة من ضغط تحالف الاوليغارشية وكبار الموظفين من الأعلى وعصابات المافيا من الأسفل وان الأساس الاجتماعي الرئيس للديمقراطية لم يكن متواجداً»؛ ويرون ان «نجاح الرئيس الروسي بوتين هو الجهود التي بذلها لنقل الرأسمالية البيروقراطية المتوحشة الى الطريق المتمدن، اذ ان سياسته اوقفت زعزعة أركان الدولة الروسية ويجري عمل دؤوب في مجال الإصلاح الاداري، وأقرت وأعدت للإقرار قوانين جديدة تقلل الى الحد الأدنى استغلال المنصب سواء من جانب المسؤولين أو اقاربهم، وأشرف على النهاية تقريبا العهد الذي لم تك تدفع فيه الرواتب ومعاشات التقاعد لأشهر عدة، الذي كان سمة مميزة للمدة التي سبقت بوتين».
لقد تولد لدينا في العراق وضع مشابه لما آل اليه وضع الدولة والناس في روسيا في اعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي؛ والمؤلم ان الحكومات السابقة عملت على تكريسه ولاسيما في عهد الحكومة التي سبقت الحكومة الحالية، وقد تمخض عن سياساتها غير المدروسة والمصلحية انهيارات في المشاريع، وضياع اموال هائلة من المبالغ المخصصة لتلك المشاريع؛ وهرب كثير من تلك الاموال ومن سرقها الى خارج البلاد، وقد كان الشعب يعرف ان ثمة اموالاً تسرق و مسؤولين يهربون، ولكنه لم يستطع ان يفعل شيئا للاحتجاج ضد الوضع تمهيداً لإصلاحه، وايقاف مسلسل الانهيار، بسبب الصبغة الطائفية التي وسمت عمليات التصويت والاحداث منذ 2003 كما ان معظم السياسيين و مديري الدوائر شغلوا انفسهم بحيازة اكبر كمية من الاموال في المدة التي يبقون فيها في مناصبهم، غير معنيين بتلبية مطالب الناس وتحسين اوضاعهم؛ فانهارت الخدمات، ولم تجر اعادة اعمار البنى التحتية، وانتشر الفساد، وتواصل الارهاب، الى الحد الذي تمخض عن خروج مساحات اراض شاسعة عن سيطرة الدولة.
ان خطوات ايجابية فعلتها الحكومة الحالية بإجراء بعض التغييرات في المناصب العسكرية والادارية، ونأمل ان تكون تلك التغييرات شاملة، اذ ليس من المعقول ان يبقى مسؤول فاشل في موقعه لأربع او ثمان سنوات او اكثر، وبعضهم يقوم بالسخرية من الناس بصورة قاسية، مثل ذاك الذي تحدث عن الشعب «الدايح» او هذا الذي قال عن نظافة وجمال دبي مقارنة بقمامة وخرائب بغداد التي تسبب هو فيها، انها «زرق ورق»، وحسنا فعلت الحكومة والتفتت مؤخراً الى ضرورة التخلص من هؤلاء الذين فرط بعضهم بأراض شاسعة، وسلم كميات كبيرة من الاسلحة المتطورة الى ايدي الارهاب، او هؤلاء الذين تركوا التجمعات السكانية نهباً للأزبال والجرذان.
وبرغم ان الوضع العراقي به حاجة كبيرة الى تغيير جذري يضع الامور في نصابها، بعد ان اهتز ذلك النصاب بعمق، فان العمل بالممكن قد ينقذ ما تبقى من الوضع الذي اشرف منذ عهد الحكومة السابقة على الانهيار، وان ذلك يستوجب المسارعة الى تنفيذ عملية اصلاح شاملة، لا تكتفي بتغيير المسؤولين المقصرين والفاسدين، بل تقديمهم الى المحاكمة وفضحهم واختيار المديرين على اساس الكفاءة وليس الولاء الحزبي او الطائفي او المناطقي او العشائري، وهنا يكون من الخطأ القول ان على المسؤول ان يبقى في منصبه لدورة واحدة «اربع سنوات في العادة» فهذا ليس مقياساً، بل يجب ان يكون المقياس هو النزاهة والنجاح في ادارة المنصب وخدمة الناس؛ واذا حقق المسؤول ذلك فليبقى مدى الحياة في منصبه، وبعدم تحقق ذلك يجب ان نجري عملية تغيرات دائمة في المناصب، وبخاصة ان رئيس الوزراء الحالي قال انه سيتخذ نهجاً مغايراً لمن سبقه، وقد رأينا ذلك في استجابته لمشكلات الناس ومطالبهم، مثلما حدث اثر احتجاجات النهروان وفيما يتعلق برواتب شركات التمويل الذاتي، وقضايا أخر.
ان الوضع في العراق يقف امام مفصل حاسم في تاريخه، وان أي اداء فاشل آخر سيأتي على البقية الباقية من البناء الذي شرعنا فيه، وبعد ذلك لن يكون لنا عذر.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة