عن تحليق وسقوط الأوهام الطائرة

Birdman

عبد السادة جبار

الأعمال الإبداعية التي تخلق جدلاً فكرياً تدفع بالعقل إلى أن يبحث ويتمتع ويختلف في الوقت نفسه، ويمكن أن نسمي تلك الانجازات الفنية والأدبية بـ(الإشكالية)، وهي لا تبحث في المسلمات التقليدية بل تنتهي إلى أخرى بعد جهد وتأمل وتحليل واختلاف، ومن هنا يمكن التمييز بين التمتع عبر الاستهلاك للفن وهو استهلاك للزمن أيضاً وبين الاستيعاب للفن لتطوير الطاقة الذهنية والنفسية لتحقيق أفضل قدرة في المعرفة والوعي، وتمثل السينما جانباً مهماً في هذا النشاط، ومن هنا يمكن التمييز بين سينما الاستهلاك والمتعة المجردة وسينما تنشيط وتحريك الوعي الإنساني، المخرج “اليخاندرو غونزاليس اينارتو” يقدم لنا فيلماً إشكالياً لينقلنا إلى ذلك الصراع بين التسطيح والاستهلاك الذي تفرضه الثقافة الشعبية ويتم نشره عبر وسائل الاتصال المتنوعة والكثيرة وبين حقيقة الانسان وقدراته وحاجاته من أجل أن يعيش كانسان يكتشف المعنى الحقيقي لوجوده.. حرص اينارتو في أن يكون إشكالياً أيضاً في طريقة تناوله موضوع فيلمه، وهو مزيج من سخرية سوداء وفانتازيا وواقعية ببناء فني وجمالي مميز واستعارات نظرية تجمع مابين آراء فلاسفة وكتاب مختلفين، فيلم ايناردو يحمل عنوانين “بيردمان” (الرجل الطائر) وعنوان ثانوي آخر “الفضيلة غير المتوقعة للجهل”، وهذا مقصود من المخرج الذي كتب الفيلم أيضاً ليشكل على المعنيين في العنوان أيضاً، اعتمد ايناردو في بناء فيلمه على اقتباس من الشاعر والقاص الأميركي ريموند كارفر المتوفى العام (1988) محولاً احدى قصصه إلى مسرحية لتكون مناخاً ليطرح بطله الضائع أو المهزوم فيه ويحلل شخصيته ويفكك المركبات والعقد النفسية التي يعيشها، وهو يدفع بالشخصيات الثانوية الأخرى والمؤثرة في مناخ المسرح نفسه لتخلق الأحداث أو تثير أدران الماضي في المكان ذاته وهو خشبة وغرف وكواليس وأروقة المسرح من دون مواعظ أو أفكار ونصائح موجهة بل صراع داخلي وخارجي صوره ايناردو بتصاعد درامي مبهر بخلطة تجمع بين الخيال والحقيقة، الواقعي والسريالي، اليأس والأمل.

قصة الفيلم
تناولت قصة الفيلم حياة ممثل شهير “ريغان تومسون” الممثل (مايكل كيتون) اشتهر في الأوساط الشعبية بأداء دور الرجل الطائر لزمن طويل، لكن الزمن قد طوى تلك الصفحات ليتحول إلى المسرح محاولاً معالجة شهرته التي أخذت تخبو واستعادة مجده حيث يقوم بكتابة مسرحيات يتولى إخراجها وأداء الأدوار الرئيسة فيها، لكنه لم يتخلص من عقدة شعوره بالبطولات الخارقة وظل هاجس الرجل الطائر يعيش معه ويكلمه باستمرار، شعوره بكونه لم يزل بطلاً انعكس على علاقاته، انفصل عن زوجته وأهمل ابنته “سام” الممثلة (ايما ستون) التي تعمل معه في المسرح، وفي زحمة من تفاصيل الحياة اليومية نتابع رحلة ريغان في البحث عن نفسه وسط ركام ثقافة الاستهلاك، يرتكب حماقة مع أحد الممثلين المهمين في مسرحيته الأخيرة ليفقده قبل العرض مما اضطره إلى أن يوافق على ممثل بديل “ادوارد نورتن” الممثل (مايك شاينر ) ترشحه له البطلة الرئيسة في المسرحية وهي صديقته، إلا أن نورتن يفاجئه بأسلوبه في التمثيل وبسلوكه المتحرر، إذ لا يخضع لإرادة تومسون ويجتهد في النص المسرحي وفي الأداء مما يثير حفيظته، غير إن ذلك يحقق نجاحاً مميزاً للعرض المسرحي، وهنا يتمادى أكثر إلى حد انه يسعى لأن يجبر الممثلة الرئيسة على محاولة ممارسة الجنس بنحو حقيقي على خشبة المسرح ليجن جنون تومسون، إلا أن تلك التجربة تلهب مشاعر الجمهور والنقاد ليرتفع رصيد العرض المسرحي إلى أعلى مستوى حيث تنفد تذاكر العرض ويرتفع سعرها، كما إن نورتن يكسب مشاعر ابنته سام ويتعلق بها مما يزيد من شعور تومسون بهيمنة نورتن على حياته، فيسعى إلى عمل جنوني، إذ يطلق النار على نفسه في أثناء أداء دوره في المسرحية من مسدس معبأ بعتاد حي لكن الاطلاقة لم تصب إلا انفه ويرقد في المستشفى، فيرفع ذلك أكثر من شهرة العرض المسرحي ويطوق الإعلاميون المستشفى الذي يرقد به وتصله باقات الورد، إلا أن البطل الخارق في داخله لم يزل يتعقبه، وحين تدخل عليه سام لتتفقده لم تجده في سريره وتجد الشباك مفتوحاً.. تطل من الشباك لا تجده وحين ترفع بصرها للأعلى.. تبتسم كأنها وجدته طائراً أو معلقاً ..أو شيء آخر لم يفصح عنه المخرج.

المعالجة والأصداء
استفاد المخرج المكسيكي اليخاندرو غونزاليس اينارتو من العلاقة بين الآداب والفنون ليقدم فيلماً عن الإبداع والتحول والعلاقات الإنسانية، تناول قصة الشاعر الأميركي كارفر (كفكرة لموضوع المسرحية مفتتحاً فيلمه بقصيدة للشاعر نقشت على قبره، تقول “ومع ذلك، هل حصلت على ما تريد من هذه الحياة؟ أجل فعلت. وماذا أردت؟ أن أدعو نفسي محبوباً، وأن أشعر بنفسي محبوباً في هذه الأرض “لتتماهى مع حياة ممثل شهير بالنسبة لجمهور عريض ويتحول إلى فنان منسي، ثمة عناصر مهمة اجتمعت في هذا الفيلم لتحقق نجاحاً مميزاً، كان أهمها ذلك الأداء البارع للممثل الكبير مايكل كيتون في النهوض بالشخصية الرئيسة ليجسد ذلك التمزق والتناقض والانفعالات اللحظية المفاجئة، كما إن الممثل المبدع مايك شاينر في دور نورتن كان البطل الثاني الذي ابدى استجابة مذهلة في التفاعل مع الشخصية المحورية والعنصر المهم الثاني في نجاح الفيلم هو الجهد الذي قدمه مدير التصوير البارع المكسيكي (ايمانويل لوبيزكي)، إذ حرك كاميراته داخل بناية المسرح مجسداً من خلالها تفاعل الشخصيات في تلك الفضاءات المغلقة في مشاهد طويلة يندر القطع فيها واختزل تغيير الزمن في اليوم الواحد بتغيير الضوء بدلاً من القطع الفني، واستعمال الكاميرا المحمولة المهتزة للتعبير عن التوتر والقلق لشخصيات الفيلم، رصيد أفلام اينارتو هي “اموريس بيروس”، و”21 غرام”، و”بابل”، و”بيوتفل”، الا انه فاجأ جمهوره والنقاد بهذا الفيلم، إذ كان مختلفاً كلياً عما انتهجه بأفلامه السابقة، وقد رشح لتسع جوائز أوسكار متنافساً مع أفلام “بويهود، و”وايبلاش” و”ذا ثيوري أوف إفريثينغ” وغيرها. صرح النقاد انهم يرون ايناريتو قد انتقل في فيلمه الأخير من الحبكات والخيوط الدرامية المتنوعة إلى التركيز على بؤرة محددة وهي حياة نجم شهير فقد شعبيته ليعيش مأزوماً ومنغلقاً في مسرح تحاصره أوهام بطولات حلق بها ثم تهاوى.

فيلم ” Birdman”، تمثيل: مايكل كيتون، ايما ستون، مايك شاينر، تأليف واخراج: اليخاندرو غونزاليس اينارتو.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة