لقد رحل المعلم*

حسين علي يونس

لقد رحل المعلم وصلني خبر رحيله، وأنا أقطع شارع المتنبي طولاً وعرضاً كنت حزيناً ومجهداً؛ لأن ثمة ثلاثة أطفال ينتظرون ما تجود به يد الله الشحيحة.
أفكر بالمعلم الذي يلفه القبر منذ عشرة أيام وتؤرقني ماهية الموت
هواجس لا حصر لها تتراكم على قشرة دماغي.
لم يعد الموت غامضاً لقد بدأ يكشف عن ساعده القوية كثيفة الشعر وها هو يوجه لي ضربة قاصمة من النوع الثقيل، عندما رحل المعلم كان ثمة أمل يداعبه لتحقيق شيء ما في هذا العالم المضطرب المسكون بقسوة غليظة. لا شيء مما حلمنا به تحقق، لم يختف الموت من العالم لم تسد العدالة.
الكراهية ضربت جذورها في أحشاء الأرض عندما نتحدث عن الموت، فأننا نتحدث عن تركيبة غامضة. تضرب بنية الكائن الحي وتصيره عدماً وتحيله إلى ما قبل تكونه عندما كان ما يزال في الغيب.
(القوة الدافعة للوجود) مثلما كان يقول جان لم تكن قد مدت بذور تكونها صمتها كان مطلقاً وحيادياً كأصداء الكائنات الشبحية متناهية الصغر فاقدة الفعالية. وداعاً رمزياً ما كان يضع حداً لتلك الحياة التي تظل متواصلة عبر حضورها الطيفي. عند الأحياء المعاصرين لذلك الجسد، الذي فقد خواصه الحية التي تتكئ على زرقة حية قدر لها أن ترسل شعاعها إلى سماء خالدة.
ترنتوري يريد أن يذهب إلى قطاع 55 ذلك القطاع الذي يقترب تعداده من المليون نسمة والذي كان يتكون مبدئياً من خمسة قطاعات أو أكثر، كان أكبر قطاع في بغداد وبقية المحافظات الجنوبية والشمالية، تلك ميزة لطالما افتخر بها أبناء ذلك القطاع، وأنا واحد منهم عندما كانت الطفولة تغلف حياتنا، بدايته كانت نهاية البانزين خانة الرئيسة في مدينة الثورة بأسرها، ومن الجهة الثانية يجثم على البيوت ببنائه الشامخ مستشفى الداخل مقابله على الجانب الآخر توجد عمارة حجي جاوي التي كان يتردد عليها الزعيم عبد الكريم قاسم صديق الفقراء أيضاً، ثمة شارع باريس الذي اكتسب هذه التسمية لكثرة فتياته الجميلات اللواتي كن يتجمعن عصراً قرب أبواب منازلهن.
وينتهي أيضاً إلى الجهة الأخرى حيث العمارات السكنية التي بنتها شركات يوغسلافية ومقبرة اليهود التي أزالتها الحكومة في ثمانينيات القرن المنصرم.
كذلك يمتد ذلك القطاع إلى أطراف الحبيبية وفي منتصف القطاع يوجد سوق شعبي كبير سمي بالسوق الشعبي الذي كنا عادة ما نمضي أيام لهونا وتجولنا داخل أوردته وشرايينه.
الرفيق منهل كان عمدة ذلك القطاع الذي كان حكراً للشيوعيين، لكن الرفيق منهل كان بعثياً على عكس إخوته الذين كانوا ينتمون إلى الجهة الأخرى.
كان من المغامرين الكبار المنشغلين، أبدأ بلعبة الريسس، لم يكن يحسن القراءة والكتابة لكن سر عبقريته، كان يكمن في لسانه الذي كان حاداً وجارحاً، عندما كان يصيبه الإفلاس بعد كل خسارة يتعرض لها، كان يمر على الرفاق حاملاً سجلاً ضخماً وقرني بقرة تجعل الرفاق يركزون على تلك القرون وهم يغدقون على الحزب، لأن الحزب كان «محتازاً وأموره داجه».
(يا إخوان ترى الحزب متضايق، محتاز وعبن ومن كل ولا بد تتبرعون إله)
كان الرفيق منهل يطلق جملته الجارحة تلك ويجعل عيون الرفاق تمطر كالمزاريب على مستقبل الحزب الذي كان سائراً إلى الخراب (ترى هذا يومنا رفاق).
كان يخرج كيسه «أبو التجه الطويل» كليلة شتاء مفعمة بالأمل ويمضي قدماً كفارس لتحصيل مبالغ الإنقاذ لأن الحزب كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.
بعد مدة جاء السيد المحافظ واجتمع بالإخوة الرفاق الذين تذمروا؛ لأن الحزب أملهم خيراً بشأن توزيع قطع الأراضي التي وعدهم بها، لكنه لسبب ما منح أبناء الغربية وترك أبناء الشرقية الذين وقفوا للحزب عندما كان في مهب الريح محتازاً وأموره «داجة»، لكن المحافظ استغرب من كلام الإخوة الرفاق؛ لأن الحزب لم يكن محتازاً، فالنفط كان يذهب إلى جيب القائد، والقائد والحزب مؤخرتان في لباس واحد.
قال المحافظ:(إخوتي بالنضال يا جماعة ترى الحزب عمره مكان محتازاً ومتضايقاً)
لكن الرفاق احتجوا بشدة، لأن الرفيق منهل كان شاهداً على «دجت» أمور الحزب وقد تبرعوا له بأموال طائلة، وذهب نساؤهم، وكانت النتيجة، إن الحزب خذلهم.
عندما نفد صبر المحافظ من تلك الادعاءات التي لم تكن صحيحة بالطبع وكان من الواضح أن ثمة مؤامرة حيكت ضد الرفاق وضد الحزب بالضرورة، شم المحافظ في تلك المؤامرة رائحة الرفيق منهل لهذا استدعاه وطلب منه توضيحاً على تلك التبرعات لكن الرفيق منهل، لم يكن لقمة سهلة كان يقطر بلاغة في تلك اللحظة وأخبره أن الرفاق محقون وأن الحزب بعد ما تنفه بعد سنوات من الضيق، أدار لهم ظهر المجن مفضّلاً عليهم محافظات لم يسمها وأخبره أيضاً:(إذا لم يكن الحزب متضايقاً ومحتازاً وفي أقصى درجات الضيق لِمَ تجمعون من الناس والعمال ومن البيوت والمحال تبرعات دورية تقولون إنها للملوية وتبرعات لموسى الكاظم على الرغم من أن أبا الجوادين، لم يكن «محتازاً» و»مكدي» في أي يوم من أيام حياته، وإن الناس تذهب إليه وتلقي بمئات الألوف من الدنانير كل يوم من أيام الدنيا الفانية).
أمام اتساع رقعة المشكلة قرر المحافظ أن يراجع بنفسه من أجل حلحلة بعض الأمور التي تخص الرفاق، كان بينها قطع الأراضي للرفاق التي خصصت لهم على الرغم من أنهم لم يكونوا في العراء وتبليط رأس القطاع وكذلك قضية الشيوعي قاسم جبر الذي قالوا انه يجمع أبناءهم كل جمعة فتركوا الصلاة واللطم وضرب الزنجيل.
وهنا صرخ المحافظ: (هذا لازم ينعدم)
قال المحافظ معقباً بحدة وخشونة، فلقد كان لديه وكالة لبيع القامات والزناجيل (ماشي اجمعوا التقارير نوديها لقيادة الفرع).
وكما يحدث في فلم ايطالي، دس الرفاق أيديهم في جيوب سراويلهم ودشاديشهم وكان عددهم يقارب الخمسمائة رفيق وأخرجوا التقارير.
حمل السيد المحافظ تلك التقارير في ثلاثة أكياس تركها لدى الحراس ومضى بسيارته الجديدة متجاوزاً بركاً آسنة وبقايا إطارات محترقة وجثة حمار بدأت الكلاب تأكل أحشاءها.

رسالة إلى المعلم
كنت مقدماً في الجراءة، وليس في الإنتاج، لقد جعلت أولئك الشعراء الكبار في وضع عصيب حين كتبت بضع قصائد وتركتهم يمعنون في غيهم بإنتاج المزيد من الكتب التي لا يقرؤها أحد لقد أوقعتهم في غواية الوفرة.
وكانت تلك ضربة محكمة للمعلم.
هذه الشذرات لابد من تبويبها وإدخالها في بنية العمل الترنتوري تستهويه البنية الشذرية، الأشياء القدرية التي لا يمكن تفاديها عادة ما أن تكون ممراً إلى الحزن والعزلة التي تقطع نياط القلب، لا أعرف كيف نأيت بنفسي بعيداً عن كل ذلك الطيش الذي كان موجوداً ومستحيلاً تجاوزه إلا بتصور أعداد هائلة من الجنائز، بعد مجيء الحزب وإدارته لمقدرات البلد سيكون من المؤسف أن نتحدث عن الحزب من دون أن يمسنا حفيف رمشه تلك مشكلة كبرى ذات طابع كارثي مأساوي.
أوجدته تلك الكتلة الشائعة من العفونة قمل العانة المتنطعة (القيادة)
حين كنا نتحدث عن الرياضيات، كان يتحدث بإجلال كوني عن قوس قزح القذارة.
الرؤساء الأوغاد الذين يغرسون المرارة في قلوبنا أورثونا نوبات مستديمة من الحزن.
أفكر أن أزور صديقي حسن الذي جاء بعد سنوات من اليونان يعرفني على زوجته ماريا اليونانية.
ماريا التي كانت تقول له بشيء من جدية تقترب من الدعابة والحزن (لا أحس بك جاداً تضيعني في متاهة سلوكك أبداً، لدي إحساس لا يخطئ أنك سبب ضياع أوليس ذاته).
ماريا الجميلة لا يخونها حدسها أبداً حين كان أجدادها يفكرون بمصير البشرية والكون كان أصحاب الحضارة الحديثة يعيشون على الأشجار.

*تنشر صفحة “نصوص الثلاثاء” بالتتابع فصول الرواية الجديدة للكاتب التي ستطبع قريباً تحت عنوان “مهد الأبدية”، إذ وضع في مقدّمتها المؤلف بأنّها “رواية ذات رأسين” وأهداها إلى “الهامش الحيّ”، وثبت هذه الملاحظة: “جميع شخصيات الرواية من نسيج الخيال وإذا حدث أي تشابه مع أي اسم لشخص في الواقع فهذا بفعل المصادفة لا أكثر”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة