أعياد الحب المجهضة في مناخات القسوة و الكراهية

صادق الازرقي *

مرت ذكرى عيد الحب، الذي صادف يوم الرابع عشر من شباط، بصمت، ولم يسع الشباب العراقيون جرياً على عادتهم في السنين الماضية، الى تهنئة بعضاً البعض بصورة واسعة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية، مثلما كان يحدث، ولربما كانت اجواء العنف السائدة في العراق والسماء الملبدة بالكراهية والقسوة، وافواج القتلى والمسبيين والمذبوحين و المحروقين، هي التي اماتت في الناس أي دافع للاحتفاء بعيد الحب.
وبرغم فقر الاحتفال بالعيد، الذي كانت تهيء له المحال في مثل هذه الايام، الالعاب والدمى والزينة الخاصة بذلك؛ فان دعوات صدرت من بعض الجهات لاسيما «الدينية» منها، تحذر من انه عيد «وثني» بحسب ما نقل عنها، في حين ان من ارتبطت اسماؤهم بالعيد وحادثته متدينون مسيحيون، خلصت حكايتهم، بحسب المتداول منها، الى ان احدهم ويدعى فالنتاين، قسيس، رفض قانونًا يقال إنه صدر عن الامبراطور الروماني كلوديس الثاني؛ يمنع الشباب من الزواج؛ لغرض زيادة عدد أفراد الجيش لأنه كان يعتقد أن الرجال المتزوجين لا يمكن أن يكونوا جنودًا أكفاء، ولكن فالنتاين، بوصفه قسيسًا، واصل إتمام مراسم الزواج للشباب؛ وعندما اكتشف الامبراطور ذلك، أمر بإلقاء القبض عليه و ذكرت الروايات أن القسيس قام بكتابة أول «بطاقة عيد حب» بنفسه في الليلة التي سبقت تنفيذ حكم الإعدام فيه، مخاطبًا فيها فتاة تمثل ضحايا المرسوم الإمبراطوري، هكذا وردت الحكاية في الروايات التاريخية.
ان التضامن الانساني مطلوب في كل الاحوال، وبرغم المغزى الاجتماعي والانساني الواضح للقصة، التي مثلت ثورة على الظلم الكبير الذي شكله قرار الحاكم المستبد، الذي كان بمنزلة الابادة الجماعية لأجيال من البشر فيما لو طبق؛ فان البعض لدينا يحاول احالة كل شيء الى اشتراطات دينية؛ حتى اذا كان الموضوع انسانياً عاماً، جاء اساساً كصرخة تمرد ضد الظلم الذي حاق ببني البشر في عصور مظلمة؛ تجاوزها الغرب الذي وقعت فيه تلك الاحداث ـ حتى لو اتخذت طابعاً اسطورياً ـ ليشرع في بناء حياته على مسار بشري يرقى بالإنسان ويحقق له غاياته التي تليق بآدميته.
لقد ظلت بلدان الشرق ومن ضمنها العراق راسفة في العيش مع طريق المعاناة البشرية، الذي يوصلها في احيان كثيرة الى اقصى مديات الالم والمعاناة؛ فتكون الاحزان المتواصلة نتيجة حتمية لتلك المعاناة التي تحتفي بالألم كمتنفس وحيد، وتولد عن ذلك انكفاء مجتمعاتنا على مآسيها وسلبياتها، وتكرس نمط البؤس في كل شيء، بما فيها الخدمات والاوضاع الامنية والمعيشية، اذ ان من ينأى بنفسه ومجتمعه عن الفرح، ولا يحتفي به، فانه يمهد الطريق بالنتيجة لعوامل الضعف والانكسار، اذ الفرح سمة انسانية اصيلة مثلما هو الحزن.
لقد ولد نمط حياة العنف والقسوة لدينا ضروباً من الكراهية، لم تعد مقصورة على التصرفات الفردية المحدودة، بل انها انسحبت الى الوضع الجمعي؛ لتسهم في تلويثه بأفعال، اذا لم تشارك في صناعة الموت اليومي والسبي والتخلف وانتهاك حقوق الانسان؛ فانها في الاقل لا تبالي بذلك وتتفرج عليه، وكأنها ممارسات اعتيادية، بحيث ان الانخراط في جماعة، أي جماعة، اصبح عبئا على الفرد، بدلاً من ان يكون سنداً وعوناً له؛ و تلك حالة نادرة لن توجد الا في المجتمعات المسكونة بالخراب والموبوءة بالعنف.
ان مغادرة اجواء الانهيار والهلاك، تتطلب من الجميع التحرك الواعي للفكاك من اسر الافكار المسبقة والجاهزة عن الاشياء، فمادمنا ندعي ان هدفنا هو بناء الانسان والبلد، فان ذلك يستوجب الانتقال الى عوامل انسانية مبهجة، تستدعي استحضار جميع المناسبات البشرية، المرتبطة بذلك واحياءها؛ ويشمل ذلك حتى المتدينين ماداموا يقولون ان مصدر الخلق واحد.
ان امثولة عيد الحب ليست حكراً على قومية او جنس بشري بعينه، بل هي ملك للبشرية جمعاء، مثلما ترتبط مواقف المضحين بحياتهم لدينا بأسمى معاني الانسانية، وان الاحتفال بعيد الحب وما يرمز اليه كمظهر وموقف انساني سامٍ، يمثل وجهاً انسانياً مشتركاً يلتف على اهدافه الجميع؛ وبخاصة ان اجيال الشباب لدينا لم تزل تعيش اقصى مستويات المعاناة بالموت المتواصل وحرمانها من متطلباتها الجسدية والنفسية، بما في ذلك الحرمان من الزواج، الذي تتكرر لدينا امثولته، وان بصورة اخرى، اذ يهيئ التصارع بشتى اشكاله والموت المتفاقم الساحة لذلك الحرمان.
ليس من المعقول ان تترك منطقة جغرافية واسعة تقع فيها بلدان الشرق الاوسط، نهباً للموت والخراب، ومعاداة المعاني الانسانية النبيلة التي تراكمت لدى الجنس البشري، وولدت قناعات انسانية مشتركة، رسخت اسس انظمة اجتماعية سليمة، نأت عن ضروب القسر والارغام؛ فما الضير من الاحتفاء بعيدٍ للحب تلك الكلمة الجليلة التي بنيت الحضارة الانسانية الراقية بتأثير مغزاها العميق؟ كما ان على البعض ممن يضع نفسه كموجه للمجتمع، ان ينأى عن التصريح بمعاداة مناسبات تحمل مشتركات انسانية ارتبطت بالناس، لاسيما ان الاحتفال يحدث بصورة غير رسمية ورمزية، وانه لا يمثل اساءة لأحد، كما ان من ميزات الدستور العراقي الجديد الذي تهيأ لنا تشريعه، بعد عقود من حكم الانظمة الدكتاتورية، احتفاؤه بحرية التعبير بشرط الا تمس ممارساتها حرية الآخرين؛ ومن دون ذلك لا معنى للديمقراطية.
ان ممارسة الانسان لحقه في اظهار مشاعر الفرح تجاه المناسبات المرتبطة به، ومنها عيد الحب، يمثل قيمة انسانية عليا يجب ان ننميها لزرع بذور الامل في نفوس الشباب وحتى الاطفال، وتحفيزهم الى الحياة الفاعلة، لأننا بنا حاجة فعلية الى ما ينمى فينا روح الحب والفرح كي نطرد الكراهية ونؤسس لمجتمع مبهج يليق بأجيالنا المقبلة.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة