مرجعية الاتفاقات السياسية واشكالية الحرس الوطني

سلام مكي *

ثمة حقيقة، ان حكومة السيد العبادي، تم تشكيلها بموجب ورقة الاتفاق السياسي وليس بموجب الدستور! مثلها مثل الحكومات السابقة. فمثلا، حكومة المالكي الثانية وحتى الاولى، تم تشكيلها بموجب اتفاق اربيل. هذه الاتفاقات التي تتم بين الكتل السياسية، تكون بعيدة عن رقابة الدستور، ونصوصه، بمعنى، ان الكتل السياسية، ستتفق عليها بغض النظر عن مدى توافقها مع الدستور من عدمه. وهذا ما يعني ضمنياً وحتى صراحة: ان الدستور لا يلبي حاجات الكتل السياسية، ولا يملك المرونة الكافية، ليتم الاعتماد عليه في تشكيل الحكومات، او ان السياسيين، يتعمدون تجاهله، لغايات شخصية. هذا الجانب بحد ذاته، يشكل تجاوزاً خطيراً على كل ثوابت النظام السياسي العراقي الجديد الذي ينص على ان الديمقراطية هي الشكل الاول له، والديمقراطية تستند في اصلها الى حكم الدستور وليس الاتفاقات السياسية او بالأحرى، صفقات تتم بين رؤساء الكتل السياسية. ورقة الاتفاق السياسي الاخيرة بين القوى السياسية الفائزة بالانتخابات الاخيرة، تضمنت مجموعة من الامور، ابرزها ان تكون مشاركة كتل معينة في الحكومة، واعلانها الولاء لرئيس الوزراء وحكومته، لقاء ثمن معين، هذا الثمن يتمثل بإقرار مجموعة من القوانين التي لها علاقة بالوضع العام للمحافظات الغربية التي تمثلها كتلة تحالف القوى الوطنية. هذه الكتلة، تسمي مطالبها بأنها مطالب المحافظات المغتصبة! وهي كما قلنا ثمن مشاركتها في الحكومة الحالية، وثمن الهدوء والانسجام والفتور غير المسبوق الذي تمر به الحكومة العراقية. القوانين المراد اقرارها، كثيرة، ومن اهمها، قانون الحرس الوطني والمساءلة والعدالة والتوازن في المؤسسات والعفو العام. مقابل قانون واحد لا تدعمه سوى كتلة التحالف الوطني وهو حظر البعث. ربما يكون الحرس الوطني هو الغاية الابرز لكتلة قوى التحالف الوطني، على اساس ان تشكيل جهاز امني عسكري جديد، يكون بإدارة محلية، هو بمنزلة الرد على هيمنة رئيس الوزراء على القوات المسلحة، خصوصاً ان ثمة خلافاً كبيراً بين الكتل حول مرجعية الحرس: هل يكون تابعا للقائد العام للقوات المسلحة ام للمحافظ؟ اذا كان القائد العام هو المرجع الاول للحرس، فلا اتصور ان شيئا جديدا سيحصل بالنسبة للوضع العام، وهو ما قال به احد النواب المؤيدين لتولي المحافظ قيادة الحرس الوطني في محافظته. ربما ان مشكلة قيادة الجيش من قبل طائفة محددة، ووجود اتهامات عديدة لأفراد في الجيش تتعلق بانتهاكات لحقوق الانسان في المحافظات الغربية، من ابرز اسباب التوتر بين الجيش العراقي وسكان تلك المناطق، مع الاعتراف ان ثمة عناصر في الجيش، متهمة بنحو مباشر في تلك الانتهاكات. المحافظات الغربية، تحاول ان تتخلص من هذا المأزق عبر تشكيل جيش خاص بها، يتولى الحفاظ على امنها داخل حدود محافظاتها، ولا تسمح للجيش الاتحادي من الدخول الى حدودها، الا بموافقتها. متناسية ان مهمة حماية العراق وامن شعبه تقع على عاتق الجيش الاتحادي وليس مسؤولية جهة اخرى حسب نص الدستور. ثم ان الدستور العراقي نص على ان القوات المسلحة والحرس الوطني هو جزء منها على سبيل الافتراض يتكون من جميع اطياف الشعب العراقي ولا يجوز ان تتشكل من طائفة واحدة، وهو ما يخالف جوهر مشروع قانون الحرس الوطني الذي يروم تشكيل الحرس الوطني على اساس مذهبي ومناطقي. الا اذا عددنا ان الحرس الوطني هو خارج اطار القوات المسلحة. وفي هذه الحالة سنواجه مشكلة كبيرة تتمثل بأنه سيكون غير دستوري، اي لا وجود لنص في الدستور ينص على تشكيل جهاز امني يسمى بالحرس الوطني وهذا فعلا، اذ ينص الدستور على ان القوات المسلحة العراقية هي الجهة الوحيدة التي تمثل الجيش العراقي الاتحادي الذي تقع عليه مسؤولية حماية الاراضي العراقية والحدود، ولم ينص على جهاز اسمه الحرس الوطني، اضافة الى ان واجب الدفاع عن العراق، هو واجب ووظيفة سيادية تتعلق بالسيادة العامة للدولة، وبالتالي، لا يحق لأي جهة محلية سواء كانت محافظة غير منتظمة بإقليم او اقليما له الحقوق بممارسة واجب الحماية. لا اتصور ان استحداث جهاز امني جديد، يمكنه ان يعالج مشكلة الارهاب المستعصية، ولا تجريد المؤسسة العسكرية الاتحادية من صلاحياتها الاساسية، يمكنه ان يخلق وضعاً امنياً مستقراً، بل العكس، يمكنه ان يخلق الكثير من المشكلات والتعقيدات السياسية والامنية وحتى التوترات خصوصا في حال دخول قوات من الحرس الوطني الى حدود محافظة اخرى، وبالتالي، التسبب في خلق مشكلات ادارية وامنية بين المحافظات. ان احد مظاهر سيادة الدولة على ارضها هو تمكن جيشها من دخول جميع اراضيها من دون معارضة من احد، فالجيش هو المظهر الابرز لقوة الدولة وسيادتها على اقليمها، ومن غير الممكن ان يمنع شخص مهما كانت درجته الوظيفية الدولة بأكملها من ممارسة دورها السيادي على اقليمها. ربما هناك، انتهاكات او مخالفات لأفراد تابعين الى الجيش العراقي، في المحافظات التي تطالب بإنشاء الحرس الوطني، ولكن هذه المخالفات، مهما كانت جسامتها، لا تبرر للكتل السياسية الممثلة لتلك المحافظات بأن تجرد الدولة من سيادتها على ارضها وذلك بتأسيس جيش رديف داخل المحافظة، ومنع دخول الجيش اليها، الا بموافقة المحافظ! كان عليها ان تطالب بإصلاحات شاملة داخل المؤسسة العسكرية، واعادة هيكلة الجيش، وتغيير ضوابط الانتساب اليه، وتسليحه، وتدريبه، ليكون جيشاً قوياً، قادراً على التعامل مع الارهاب اولا، وثانياً، تفعيل قانون العقوبات العسكري ليطبق على كل ضابط او جندي ينتهك حقوق الانسان ويخالف العرف العسكري، مهما كانت انتماؤه الحزبي والطائفي، وان تفتح خطوط للتواصل المباشر مع المواطنين والتعامل بجدية مع الشكاوى التي ترد ضد افراد في الجيش، وان يراعى مبدأ التوازن بين مكونات الشعب، في توزيع المناصب الامنية والعسكرية، وان تكون الكفاءة المعيار الوحيد للانتساب الى الجيش. لنفترض ان المطالبة بإنشاء وتأسيس الحرس الوطني هو رد فعل على الممارسات الفردية لبعض المنتسبين في الجيش، وليس لغايات حزبية وشخصية لسياسيين، فعلى القيادة المركزية للجيش ان تجري اصلاحات واسعة في الجيش وان تعيد بناءه بناءً صحيحاً، لتجنب حدوث مشكلات، ولإعادة الثقة بالجيش، لعل المطالبة بالحرس الوطني تنتهي. واذا تبين ان هناك غايات شخصية من وراء المطالبة بها، فعلى الحكومة، بعد ان تنفذ اصلاحاتها ان تبين للشارع العراقي التبعات التي يمكن ان يخلفها تشكيل الحرس الوطني. ولكن يبدو أن تشكيل الحرس الوطني، ما هي الا مسألة وقت، وان كل الكتل متفقة عليه، على اساس انه احد بنود ورقة الاتفاق السياسي، بغض النظر عن تبعاته.

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة