الأخبار العاجلة

التشهير ليس حرية

الحرية لا تعني اللاقانون، بل أنها تحتاج الى قوانين تحميها وتصونها من خطرين: التعدي عليها أو تحديدها، ووقف حالات التمادي فيها وتجاوز حدودها بما يشكل خطرا عليها وعلى المجتمع.
القضاء اليوم ينظر بقضايا تتعلق بصميم الحريات وحدودها، فيلجأ الى الاجتهاد في نصوص قانونية قديمة ليسحبها على واقع الاعلام والاتصالات المعاصر، ومعه الوضع السياسي الذي يتيح هامشا واسعا للحريات، لكنها حريات بلا حدود ولا قيود تحد من تحولها الى فوضى . التوسع في الاجتهاد في النصوص القانونية القديمة قد يجعل من القضاء أداة للحد من حرية التعبير. قد يجعل منه كابحا لعملية ملاحقة الفساد والفاسدين. قد يلغي أو يمنع قيام صحافة الاستقصاء التي تلاحق المخالفات وتفضحها. باختصار: قد تؤدي الى إلغاء الدور الرقابي للاعلام وإسهامه في بناء البلاد، بالتحديد كما أدى التوسع في تطبيق معايير النزاهة الى دفع الموظفين والمسؤولين، الى عدم الانجاز تحاشيا للملاحقة القضائية المستندة الى تفسيرات «متوسعة» للقانون.
في المقابل، فان البعض يقع في مطبّ التوسع في فهم الحريات وبينها حرية التعبير. يتصور هؤلاء ان لكل فرد قول ما يريد ضد من يريد دون حدود وبغض النظر عما اذا كان هذا القول صادقا ام لا، وهذا ما أدرى ذلك الى تشويه سمعة شخص من دون وجه حق.
يتصور هؤلاء ان بامكانهم توجيه اتهامات تطيح بسمعة شخص أو جماعة، وأن شرف الناس وأعراضهم يمكن المساس بها دون رادع . لذلك فانهم يستشيطون غضبا إذا ما بلغت اسماعهم نوايا او محاولات وضع قانون يضبط الحريات بضوابط العدل والانصاف والاخلاق. يتصورون أي قانون في هذا الاتجاه إنما يشكل تحديدا للحريات وتكميما للافواه. لكن هذه القوانين قد تؤدي الى هذه النتيجة بالفعل إذا ما وضعها من لا يتحلون بالعقلية المنسجة مع الحريات والمتحركة باتجاهها. هنا يتوجب ان يأخذ سنّ هذه القوانين مساره الصحيح. ففي الدول الديمقراطية، لا تهبط القوانين من أعلى هرم السلطة كما في الدول المحكومة بالانظمة الشمولية، بل تجري مناقشة مسودات القوانين مع شتى الفئات والشرائح المعنية بتطبيقها في جلسات عامة ومناقشات مفتوحة تؤمن ضمانة إمكانية تطبيق هذه القوانين عند صدورها لئلا تأخذ طريقها الى الاهمال كما حدث للكثير من القوانين. يتوجب على المشرّع أن لا يقع تحت تأثير الظروف الانية بل يضع في باله ان هذه القوانين ستبقى الى ما يتجاوز اللحظة وظروفها.
القوانين في الدول الديمقراطية مهمتها حماية الديمقراطية، والاخيرة لا معنى لها من دون حريات وكرامات مصانة وأمن مستتب واستقرار، وهو ما تضمنه قوانين عصرية عادلة وقضاء نزيه متحرر من ثقافة الاستبداد.
سالم مشكور

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة