عيد الحب وثيمات «التحدي – التضحية – العشق»

خالد ناجي الكريماوي

يحتفل العشاق في الرابع عشر من شباط من كل عام بذكرى العشق والحب والانتماء الروحي بين المحبين. واختلفت الآراء في أصل هذه المناسبة والطريف بالأمر إن جل العاشقين يرجع بالمناسبة إلى (فالنتاين) وما قام به هذا القديس أيام السيطرة الرومانية من تزويج الشباب في السر كسراً لقرار الملك الروماني الذي منع زواج الشباب خوفاً من انكسار عزيمتهم الحربية خصوصاً ما شاهده من عدم الرغبة في المشاركة وقلة اندفاع الجيش للحروب، فأفضى ذلك إلى تعذيب وقتل هذا القديس ودفنه بمحل قتله الذي صار مزاراً بعد انتشار النصرانية وجعلوا من يوم قتله ذكرى للاحتفال بعيد الحب وبشهداء الحب وعيد العشاق الذي تمثل في القديس فالنتاين وسمي أيضاً شفيع العشاق وراعيهم، وكان من اعتقاداتهم في هذا العيد أن تكتب الفتيات اللاتي في سن الزواج في لفافات صغيرة من الورق وتوضع في طبق على منضدة، ويُدعى الشبان الذين يرغبون في الزواج ليخرج كل منهم ورقة، فيضع نفسه في خدمة صاحبة الاسم المكتوب لمدة عام يختبر كل منهما خلق الآخر، ثم يتزوجان، أو يعيدان الكرة في العام التالي.
وهذا لا يعني خلو الثقافات والحضارات القديمة والقريبة منها من تلك القصص التي تدعو إلى التعاطف معها، فقد كانت الإلهة أفروديت في الأساطير اليونانية هي إلهة الحب والشهوة والجمال، والبغاء والتكاثر الجنسي. على الرغم من أنه يشار إليها في الثقافة الحديثة باسم «إلهة الحب»، فهي في الحقيقة لا تقصد الحب بالمعنى الرومانسي، بل المقصود هو إيروس (الحب الجسدي أو الجنسي). اسمها لدى الرومان فينوس. أما ولادتها فالأسطورة تقول أنها ولدت في قبرص، ومن تلك الأساطير الأسطورة السومرية واله عشتار، اله الحب والجمال لدى السومريين وما تحمله من بعد فلسفي في الحب والعشق، وقصة الحب التي ربطت كليوباترا وانطونيو وهذه من أشهر قصص الحب التي لا تُنسى والتي تثير التعاطف مع بطليها. وقد جسد شكسبير هذه القصة، التي تخلّد الحب بين شخصيتين تاريخيتين، في مسرحية مأساوية بعنوان (انطونيو وكليوباترا)، إذ تمثل العلاقة بين هاتين الشخصيتين اختباراً حقيقياً للحب، لقد وقعا في الحب من أول نظرة، لكن هذه العلاقة بين القائد الروماني انطونيو وملكة مصر كليوباترا أثارت غضب الرومان الذين كانوا يخشون من تنامي قوة المصريين نتيجة هذه العلاقة، وعلى الرغم من كل التهديدات، تزوجا، ويُقال أنه في الوقت الذي كان انطونيو يخوض حرباً ضد الرومان، تلقى أنباء كاذبة عن موت كليوباترا، فانتحر بسيفه، وحين علمت كليوباترا بموته شعرت بصدمة شديدة ولم تحتمل ذلك فانتحرت هي أيضاً، وفي أدبيات العرب قصص حب مأساوية رومانسية لا تختلف كثيراً عما سبق ذكره إلا بالخصوصية التي ينضوي تحتها كل مجتمع من المجتمعات التي احتضنت القصص التي ذكرناها، فما لدى العرب الكثير منها إذا ما استثنينا قصص الحب التي عرف بها قوم بأكمله كما الحال لدى قبيلة بني عذرة، ألم يقل العرب عنهم بأنهم (قوم إذا عشقوا ماتوا) ومنها أيضاً قصة قيس وليلى التي ذاع صيتها وترجمت للغات العالم وهي قصة الحب المستحيل التحقق، وقد دارت أحداثها في الجزيرة العربية وظلت الأجيال ترويها جيلاً بعد جيل وكتبت حولها المئات وربما الآلاف من الروايات والقصائد والقطع الأدبية المختلفة، ومحضها إن قيس وليلى أحبا بعضهما البعض وهما يافعان، وحين شاع خبر الحب الذي يربط بينهما، منعا من اللقاء فأصيب قيس بالإحباط وهام على وجهه في الصحراء وصاحب الحيوانات، وامتنع عن الأكل والشراب فأطلق عليه لقب «مجنون ليلى» وأُجبرت ليلى على الزواج برجل آخر. وبعد أن حرما من اللقاء في الدنيا، دفن قيس وليلى بعد موتهما في قبرين متجاورين، ومثلها تماماً قصة (مه م زين) بالأدبيات الكردية التي لم ينل فيها العاشق حبيبته زين التي تموت كمداً عليه؛ لأنه قضى في سجنه واعترضته المؤامرات والدسائس.
كل ما مررنا به من قصص العشق ينطوي على ثيمات واحدة «التحدي- التضحية- الحب)، وكان من الأولى أن تحتفل كل جماعة بما يناسبها من قصص كأن يحتفل الغرب بـ (فالنتاين) والعرب بــ (قيس وليلى) والكورد بــ (مه م زين(، وغيرها مما ذكرنا وما لم نذكره، إلا أننا نجد عكس ذلك، إذ يتفق العالم على الاحتفال بقصة الحب (فالنتاين) وهذا لعدة أسباب لعل أهمها القدسية التي لحقت القصة، قدسية القديس (فالنتاين) الذي وهب الحب الشرعي للمحبين والعاشقين وللدور الغربي والغزو الثقافي الذي يحسب لتلك البلدان على العالم بأسره، فضلاً عن الدور الإعلامي الذي راح يروّج لهذه المناسبة السنوية. وعلى كل ما ورد فان الاحتفال بعيد الحب حاجة ملحة هذه الأيام، أيام مليئة بعطر البارود والقنابل والحقد المفخخ، عيد الحب ومظاهره كرنفال رومانسي ينبت شجرة السعادة في أرض بور عسى أن تجد أملاً في الحياة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة