الأخبار العاجلة

لقاح «الفالنتاين»

من المعروف عن السم انه ليس قاتلاً بحد ذاته، بل جانب الفتك فيه يكمن بجرعته، فهو يستعمل كدواء لبعض الحالات المرضية، وبالمقابل كوسيلة للقتل عند استعمال الكمية المطلوبة لذلك. كذلك هو حال غير القليل من المشاعر والاحاسيس التي تتراكم عند البشر، لا من خلال شوط حياتهم الخاصة وحسب بل فيما يتراكم في العقل الجمعي واحتياطات االلاشعور، ومنها على سبيل المثال لا الحصر (الحب والكراهة) والتي من خلال متابعة منسوبهما وخارطة التفاعل بينهما، يتاح لنا معرفة طبيعة مجتمع ما ونوع التطلعات التي تلوح في افقه. ونحن على ابواب عيد الفالنتاين، والذي يحتفل به العالم يوم 14 شباط من كل عام، بوصفه يوماً للحب ونبذ الكراهة وكل مايمت بصلة لبراميل الاحقاد سريعة الاشتعال. نترقب نحن سكان هذا الوطن المنكوب بلعنة الاحقاد والصرخات الجديدة التي تحاول ان تعيد الاهتزار للشوارب الخامدة؛ مثل هذه المناسبات المستضعفة والمسالمة عسى ان تتسلل لمضاربنا المنسية. اننا في هذه المجتمعات التي لا تجيد سوى نهش بعضها البعض، وتبادل الادوار بين الضحية والجلاد، واستعراض كل مواهبنا من اجل شيطنة الآخر المختلف، بأمس الحاجة لمثل هذه اللقاحات التي بمقدورها وضع حد لمثل هذه الشراهة الهمجية. البعض من سدنة الثوابت وبقايا حراس البوابات الخلفية لـ (خير امة) رفعوا عقيرتهم بتحذير عيال الله من مغبة استقبال مثل هذه التقاليد الوافدة، بوصفها بدعة من مصانع الأعداء التاريخيين الذين لا هم لهم سوى النيل منا ومن قدراتنا الاحتياطية الهائلة التي تشكل خطراً على مصالحهم الأستراتيجية ومشاريعهم المستقبلية. هؤلاء الذين سمموا حياتنا ونثروا على تضاريس هذه الاوطان القديمة كل ما يعوق تطلعاتها المشروعة للحاق بركب الامم الحرة، عبر مد جسور التواصل والتعارف مع بقية خلق الله من دون أي تمييز وحقد عرقي أو ديني أو جنسي و.. اننا في هذا الوطن الذي يقف سكانه اليوم، عند مفترق طريق حاسم في تاريخهم الحديث، نحتاج أكثر من أي بلد آخر لمثل هذه المنظومة من العقائد والمفاهيم والاعياد التي تدعو الى المحبة والتعايش كي نتمكن من الاصغاء جيداً الى تلك الوصية المنسية: (كرمنا بني آدم).
وهذا لن يتاح لنا وسط كل هذا العجاج والفحيح والتصعيد والتجييش، المتصاعد نتيجة سطوة وهيمنة قوى الشر والاجرام على غير القليل من المفاصل الحيوية للمشهد السياسي الراهن. في مثل هذه الأيام الجميلة التي يحتفل بها في كل بقاع قريتنا الكونية بهذا العيد الاممي، ليس امامنا الا انتظار معجزة جديدة تتمكن فيها مراكز بحوث علم الجينات من صنع لقاح للفالنتاين، عسى ان يكبح مرة والى الأبد هذه الصرخة اللئيمة: عليهم يا رجال..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة