بغداد بلا قيود

تنفض بغداد عن نفسها بعض أتربة الحروب التي كستها بالغبار وملامح الدمار منذ الضربات الجوية الأميركية في عهد بيل كلنتون «ثعلب الصحراء» عام 1998 وصولا إلى عاصفة الصحراء التي انتهت بسقوط نظام الطاغية مجرجرة خلفها بغداد كأضحية تُذبح وتُسلخ كل يوم وكل أسبوع وكل شهر وكل عام على مدار عقد ونيف.
تكالبت على بغداد «عاصمة السلام» فيما مضى الذئاب والكواسر والعقبان، واجتاحتها الثعالب الماكرة، ومن ثم اندست في جنباتها قطعان الضباع، ووضعت المتاريس والسواتر الرميلة لتظهر المدينة الجميلة هويتها الجديدة، هويتها الغريبة، هويتها المشوهة التي أختارها لها تجار الحروب وجنود الاحتلال الغرباء الطارئين، وكساها الساسة الجدد ملمحا ريفيا يشبه سباخ الهضاب الصحراوية والقرى النائية عن المدن وقيمها الحضارية العريقة.
أُرهقت بغداد كأمِ ثكلى؛ تلطخ وجهها الجميل بالطين والأسمنت المسلح وتعفر بهواء من البارود وقعقعة الأسلحة القلقة والمقلقة، ومات من أبنائها الكثير دفنتهم بالخفاء وبالعلن وهن تئن تحت ثقل الدبابات والمجنزرات ومواد التفجيرات المكدسة في الحدائق العامة بدل الأشجار والزهور، وفي العمارات السكنية التي غادرها أهلها لتحل محلهم العبوات الناسفة ومدافع الهاون. وبالإضافة إلى جميع وسائل الدمار العمراني والبشري تلك، كانت القوانين التي كبلت بغداد هي الأكثر قساوة والأكثر إجحافا وظلما. وصارت بغداد مثل امرأة حامل تحت الطلق ممنوعة من الولادة، وهذا أشبه بحكم الإعدام خنقا حتى الموت. كانت بغداد مخنوقة بأنشوطة من قوانين الطوارئ يصعب عليها التنفس الطبيعي كمدينة وكبشر وكحدائق وكملاعب ودور عبادة من كنائس ومساجد ومنارات شامخة. للأمس القريب كانت بغداد مدينة أشباح عند الساعة الحادية عشر ليلا، مدينة أشباح تمرح في شوارعها الخاوية سلاحف حديدية تطلق دوي صافراتها في أرجاء الصمت والظلام.
اليوم تخلع بغداد عنها هذا الكابوس الأسود لتنطلق نحو فضاء حريتها الجديد بعد أعوام طويلة من الكآبة والحزن الداخلي العميق. وأنطلق شبابها ورجالها المحبين ونسائها العظيمات تحت نصب الحرية رمز بغداد الحرة يهتفون بحرية عاصمتهم بعد سقوط حبال وسلاسل الخنق عن جسدها المثخن الجراح. رفع الحظر الليلي عن بغداد هو خطوة جريئة مست بغداد وأهلها فرحا بالصميم، وجعلتهم يرقصون ويهللون بشوارع العاصمة حتى الفجر.
ننتظر فجر بغداد الحقيقي عندما لا نرى الرجال المدججين بالأسلحة، المرهقين من الترقب والصابرين على الهبوب صيفا والبرد شتاءا وهم يحرسون شوارع بغداد من شياطين الموت وأشباح الحقد. ننتظر عودة بغداد إلى عنفوانها وجلالها وتألقها على الرغم من جميع المخاطر التي لم تمنعها كتل الأسمنت ولا المفارز العسكرية الثابتة والطارئة.
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة