الأخبار العاجلة

رعشة بوذية

نزار عبد الستار

هل أنتِ بخير؟
وضع يده على جبينها. قالت إنها بخير، ولم تنظر إليه، وحين رجع مرّة أخرى إلى الصالون، ووجدها في مكانها، ورأى صورة التلفزيون ما تزال متوقفة على وجه تشالز ثيرون سألها:
ـ هل أنتِ بخير؟
قالت:
ـ فن التمثيل في غاية الصعوبة.
قال:
ـ ولهذا ابتكروا جوائز الأوسكار.
أخذت قدح عصير البرتقال الذي وضعه أمامها، وأخبرته أن هوغو شافيز مات قبل ساعة. نظر هو أيضا إلى وجه تشارليز ثيرون وقال:
ـ كنت أود أن أسأله عن شيء في بالي. توجيه الأسئلة هو فن صعب أيضاً، ولكن لا توجد له جوائز.
قالت بعد أن شربت نصف القدح:
ـ لأن أغلب الأسئلة التي نطرحها غبية، أما إذا شاهدت فيلماً، فلابد لممثل ما أن يجيد دوره. الأسئلة الغبية لا تستحق الأوسكار.
ـ تشاليز ثيرون تجيد دورها دائماً، وهي تحب الأسئلة الغبية. هل أعجبك عصير البرتقال؟
قالت وهي تعطيه القدح:
ـ حين تنال امرأة مثل تشاليز ثيرون جائزة الأوسكار، فإن الأسئلة الغبية تكون مهمة جداً بالنسبة إليها. الأسئلة الغبية تجعلها جريئة، ومثيرة للجدل، وتعطيها القدرة على قول أشياء كثيرة بلا تفكير.
فكّر قليلاً في كلامها، وقال إنه سيذهب ليدخّن في المطبخ.
استوقفته:
ـ رائحة التبغ تشوه نكهة البهارات.
ارتبكت حركته. نظر إلى صورة تشاليز ثيرون، وقال بأنه سيخرج إلى الحديقة ليدخّن.
سألته:
ـ عن ماذا كنت تريد أن تسأل هوغو شافيز؟.
عاد ليجلس بجوارها، وقدحها الفارغ بيده:
ـ كنت أود أن أسأله من أين اشترى القميص الأزرق الذي ارتداه في شباط العام 1999
التفتت إليه قائلة:
ـ لا أعتقد أنه سيتذكر من أين اشتراه.
ردّ:
ـ أعلم هذا.
عادت لتسأله:
ـ إذا كنت تعلم، فلماذا تطرح سؤالاً كهذا؟
قال بهدوء:
ـ هكذا هي الأسئلة في فنزويلا. إذا سألت أحدهم عن قميصه، فانه سيشتم الليبرالية، وينتقد السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وسيعلن دعمه للفقراء.. إنهم يحبون الأسئلة الغبية.
سألها، وهو ينهض:
ـ هل أنت بخير؟

بوذية
طلبت منه إخفاء بوذا عن نظرها كي تتهنى بشرب قهوتها. اعتذر، وهو يرفع التمثال من رأسه الذهبي، ويضعه على الرف العلوي في جناح المكتبة التي خلفها، قائلاً بأنه نسيه بالأمس بجوار الكومبيوتر، ولم يرجعه إلى مكانه.
سألها، وهو يعود للجلوس قبالتها إن كانت ترغب بفتح النافذة. أدارت رأسها نحو اليمين، وأجابت بأنها تحب بوذا جداً، ولكن وجوده الآن يتعارض مع الأفكار التي في رأسها.
رفع حاجبيه مستغرباً، فنظرت في عينيه، وسألته:
ـ ألم تقل لي إنه عاش يدعو إلى التسامح؟.
أومأ برأسه مؤكداً:
ـ نعم حبيبة روحي. قلت لك هذا.
وضعت فنجانها على المكتب ثم نظرت عالياً، وقالت:
ـ أنا أحب بوذا، وإذا ما بقي تمثاله أمامي، فربما أتأثر به، وأنا لا أريد هذا.
قال مقلّباً علبة سجائره عدة مرات:
ـ ستخذله حكمته كما خذلني قلبي أمام معجزاتك، وإذا ما وقع بصرك عليه حبيبة قلبي، فإنه هو الذي سيتأثر بك ولست أنت.
نظرت في عينيه، وسألته:
ـ لماذا كنت تضع بوذا بجوار الكومبيوتر؟
اعتدل قائلاً:
ـ خطر ببالي أن نذهب في الصيف إلى النيبال، ونزور مسقط رأس بوذا في لومبيني. اعتقدت أن فكرة كهذه مفيدة جداً.
سألته بترفع:
ـ مفيدة في ماذا؟.. في أن تتعلم الاستجداء على طريقة الرهبنة البوذية؟. هل تظن أن هذا يفيدك؟
نظر إليها بقلق، وأجاب:
ـ نعم حبيبة عيوني.. في لومبيني يمكن لي تعلم فن استجداء تسامحك.
نقرت بأصابعها على المكتب، وقالت:
ـ على فكرة.. اليوم عندما حكيت معك على الهاتف صباحاً لم تكن على طبيعتك أبداً. وربما هذه هي المرّة الأولى في حياتك التي تحكي معي فيها بهذه الطريقة.
تخشّبت أطرافه قبل أن يردّ:
ـ وحياتك لولو لم أقصد هذا.
أدارت رأسها إلى اليمين، فتابع:
ـ وعيونك لم أتعمد الردّ عليك هكذا، كل ما في الأمر أنني كنت أعاني وقتها من كآبة عارضة.
واجهته بعينيها، وقالت:
ـ في العادة حتى لو كآبة العالم كله متجمعة فيك، فإنها تزول ما إن تسمع صوتي.
نهض وسار باتجاه الرف الذي خلفها وهو يقول:
ـ والله العظيم زالت وتبخرت واندثرت.
أمسك بتمثال بوذا من رأسه ونقله إلى جوار فنجانها ثم عاد إلى كرسيه متوسلاً:
ـ ها هو بوذا بجوارك .. انظري إليه وتأثري بتعاليم تسامحه حبيبة كبدي.
تطلعت إلى السقف، وقالت بكبرياء:
ـ ليس قبل أن تنجح في امتحان الاستجداء أيها الراهب.

رعشة
أكمل مسند الكرسي بكفّه، فوصلت أصابعه إلى بداية عنقها، وسألها إن كانت تشعر بالارتخاء الآن. قالت إن هذا يريحها أكثر. حرّك أصابعه مداعباً طيّات ايشاربها الذهبي، وتذكّر أنها تعشق بدايات الحفلات، والمؤتمرات، وتتشنّج بهجتها مع اللحظات الأولى، وتتحوّل إلى تمثال شمع.
قالت من دون أن تحرّك رأسها إن الموسيقى خافتة، وتعطيها الإحساس أنهما في فترة العصر، بينما على مصمم الأزياء سنان كامل أن يوحي برعشة برد الليل.
قال، وهو خلف رأسها، يرصد استجابات عنقها:
ـ نحن نجلس عند نهاية السجادة في أبعد نقطة من القاعة.
شعر بخط فقرات ظهرها على كفه، وهي تقول:
ـ أنا وأنت لا نستطيع أن نكون بجوار أحد. يجب أن تكون لنا مقصورتنا.. لقد بدأ العرض.
أدخل إصبع السبابة تحت الايشارب، وبصره يدقق في الطيّات.
قالت:
ـ العباءة السوداء رائعة. فكرة تعرية الذراعين مدهشة.
قال، وهو يتحسس نعومة الايشارب بين إصبعين مركزاً النظر على ظهرها:
ـ رائعة، وناعمة.
قالت ضاحكة:
ـ يبدو أن ثقافتك القماشية تحسّنت. أنظر إلى القدمين. أعتقد أن المصوّرين يفعلون ذلك. البنت جميلة، لكنها مرتبكة.
رفع الايشارب بسبابته حتى لمح عنقها.
ـ هذه الكحلية رائعة. التطريز من مدرسة وداد الأورفلي في الرسم.
فكّر في إجراء معركة شد الايشارب بين السبابة والوسطى.
سألته:
ـ هل تعبت يدك؟
ردّ، وهو يعمل هدنة بين الإصبعين:
ـ لا يا عمري.. كيف تتعب، وهي تسند ظهرك الحلو؟
سألته:
ـ هذه العباءة ألا تجدها غريبة؟
السبابة وترت الايشارب، لكن الوسطى لم تستسلم.
قال، وهو يقرّب أنفه من كتفها:
ـ صح غريبة.
قالت بانفعال:
ـ المصمم زاوج بين العراقية، والأردنية. أنظر إلى تقليدية اللونين الأحمر، والأسود، وبدلاً من أن يهتم بمنطقة الصدر، وضع التطريز على منطقة الساق.
السبابة عادت ورفعت الايشارب، وراح مجدداً يتأمل عنقها.
قالت بحماسة:
ـ Beautiful إنه يستعمل الوشاح الطويل الشفاف بطريقة رائعة. الزرقاء عبقرية فعلاً. هل تعبت يدك؟
أجابها وسبابته تزحف مختفية تحت الايشارب:
ـ لم تتعب يا حبي.
ارتعش ظهرها. اعتدلت ناظرة من فوق كتفها إلى عينيه المنخفضتين:
ـ نزار ماذا تفعل؟
ـ لاشيء.. أتأكد من عدد فقرات ظهرك حياتي.

سونولوس
استدارت آخذة الزاوية، فتساوى كتفها مع ضلع الإطار الذهبي. اشتركت يدها اليمنى مع اليسرى في الإمساك بذراع حقيبتها السوداء، ونظرت عميقاً في عينيه. كان قد حجز باب المصعد للسيدة العجوز التي أومأت له بالانتظار.
حين ضغط على رقمين متابعدين، وهو لامع الوجه بفعل الانعكاس، كانت ما تزال متمسكة بتلك النظرة الثابتة والمرتفعة. ابتسمت له العجوز بوجهها الذي يشبه عجينة متخمرة. كانت أزرار معطفها كبيرة وخشبية. وسّعت العجوز من عينيها وفمها يرتجف قليلاً، فابتسم لها بامتنان.
تأخرت عنه، وهو يفتح باب الغرفة. كانت هادئة تماماً، إلا أنها ليست معزولة. سار باستقامة، وأخذ يزيح الستارة عن النافذة، وقد تأكد أنها لم تعد مهتمة، ومكتفية بنفسها. كان المسبح الفارغ في أسفل المنظر يوحي باقتراب العاصفة، والألوان بما فيها الزرقة التقليدية، والصبغة الخشبية تدل على الهلع.
استمرت على انشغالها بنفسها، وهي خلف ظهره. بهدوء فتحت دولاب الثياب، وهو ما يعني أنها أعادت كل ما عليها إلى مكانه من دون استعجال، وبتكبّر رفيع، واستنتج أنها منذ دخولها الغرفة، وإلى أن أغلقت باب الحمام عليها، وهي في كامل الاسترخاء.
نظر إلى الدائرة غير المكتملة لبناية الفندق، ورصد تحركات الغيوم السود، واعتقد أن من الأفضل ترك كل شيء هنا حين يغادران نيقوسيا في الغد. ستعرف أنه لا يستطيع الاحتفاظ بشيء لا يمت بصلة إلى رغبتها. ربما إذا خرج من نيقوسيا، وهو بلا أدوات حلاقة، وبجورب واحد، فستدرك كم هو نادم على ما سببه لها من ضيق في شارع سولونوس، وستعرف أنه يعدّها افروديت القبرصية المخلوقة من زبد البحر ودم اورانوس. فكّر أنه حين يفعل ذلك فستتذكّر كل بهجته الأسطورية التي تخلى عنها في محاولة التفكير القاسية. وربما ستتذكّر كل مكائده التي اختلقها من أجل ابتساماتها المتكررة قبل أن تغضب منه في سولونوس.
نبّه نفسه إلى أنه لايجوز له التصرف بهدوء كما فعلت قبل دخولها الحمام، وعليه أن يكون مقتنعاً بذنبه. حذّر نفسه من اللامبالاة التي تزيد من حزنها، وقال لنفسه إنه يشعر بالذنب حقاً، وإنه حين يغيّر ملابسه عليه أن ينزع عنه بهجة العشاء، والموسيقى اليونانية، ويزيل عن وجهه تفتح الاستمتاع. سيكون وكأنه لم يأت إلى هنا. متآكل الإحساس، وكأنه قطعة كلسية ذوبها الندم. قال لنفسه إنه يشعر حقاً بالخطأ، وإنه لا يملك أية حجة مقنعة، وعليه ألا يكذب، ولا يدافع عن نفسه، ويظهر تعذيبه لذاته بشكل يخفف عنها آلام الزعل.
سمعها وهي تخرج من الحمام. تشنج في وقفته، إلا أنه لم يكن بمقدوره فعل شيء، وفكّر أنه إذا ما تحرك أمامها بتحد، فإن ذلك سيجعلها تتذكّر فعلته في سولونوس، وسيحزن جمالها أكثر، وأكثر.
قالت:
ـ غيّر ثيابك.. أنت بالهيئة نفسها التي كنت عليها في شارع سونولوس، وهذا يجعلني أتذكر ما حدث.
أرخى ستارة النافذة، وخلع الجاكيت، وهو يستدير من دون أن ينظر في عينيها.
عادت لتقول:
ـ لا أعتقد أن افروديت خلقت من زبد البحر.
نظر إليها مستفهماً، فعادت لتقول:
ـ وإنما من رغوة الشامبو.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة