مكنسة العمل الطوعي

لا شيء كالعمل الطوعي بمقدوره انتشال الانسان من كهوف الانانية الضيقة واللاابالية تجاه الشأن العام. عبر النشاطات التي لاننتظر منها سوى خدمة المجتمع والارتقاء به الى مستويات جديدة، يمكننا أعادة بناء انفسنا وترميم جسور الثقة بالآخرين. لقد تركت تجربة النظام المباد المريرة ندوباً عميقة في الروح العراقية ومنظومة القيم والسلوك، خاصة في جانب الحس بالمسؤولية والذي تعرض الى خراب شامل، بعد شوط طويل من الهزائم الحضارية والعمل الممنهج من قبل مؤسسات ذلك النظام ضد مراكز الطاقة الروحية والحيوية لسكانه. البعض لايعير اهتماما لمثل هذه التركة من حطام الحجر والبشر، ولايمل من ترديد معزوفته عن غنى العراق وثرواته الهائلة المستندة الى احتياطات النفط وملياراته المقبلة، والتي من خلالها سيعاد بناء العراق (الجديد). مثل هذه الآراء لاتقدم للعراقيين سوى المزيد من الاوهام والضياع في الدروب التي طرقوها مراراً من دون جدوى.
لقد أجبر النظام المباد سكان هذا الوطن بشتى مستوياتهم للانخراط في شتى الاعمال المدنية منها والعسكرية لخدمته من دون مقابل تقريباً، في الوقت الذي كانت فيه العائلة الحاكمة وحاشيتها يعيشان في مناخات اسطورية من الشراهة والبذخ. هذه السيرة المنحطة من التعامل التي سنتها تلك الحقبة المشؤومة من تاريخنا الحديث، مازالت تقاليدها تتواصل عبر كم واسع من الممارسات والسلوك البعيد عن المسؤولية، والتي أفصحت عنها الاعداد الكبيرة من المنخرطين في أعمال الفساد والارهاب وماراثونات الهرولة صوب الغنائم الجاهزة. لذلك لن تنقذنا دولارات الرزق الريعي مهما تورمت، لأن قوارض المنعطفات التاريخية والجماهير الاقل قضماً ستكون في الانتظار..!
لذلك كله نجد خلاصنا في المكنسة التي ستجرف عبر ثقافة العمل الطوعي الذي لاينتظر المكرمات والأجر والمنح من سلالات اولي الأمر، بل من المعاني الجديدة التي تسترد مكانتها في حياتنا الشخصية والاجتماعية. نعم، العراق بلد غني لكن ثرواته الحقيقية ليست في باطن الارض بل على سطحها، في هذه الشعوب والقبائل والملل المثقلة بموروث الغنائم والغزوات، ومكنسة العمل الطوعي هي من تساعدنا على التخفف من وزر تلك المخلفات الضارة. وهذا السبيل المجرب طرقته وحصدت نتائجه غير القليل من شعوب الارض وتحول اليوم الى فلسفة متكاملة من المبادئ والقيم التي يرشف منها الانسان بغض النظر عن طبقته ومستواه، وفي عالم اليوم لن يكون اغنى رجل في العالم (بيل غيتس) مثالاً وحيداً في نشاطاته الطوعية لخدمة سلالات بني آدم من دون تمييز. ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان جهوده نجحت في اقناع العشرات من الاثرياء بأن يتبرعوا بجزء كبير من ثرواتهم لأعمال الخير. لكن مثل هذه الثقافة انضمت الى نادي الأيتام في مضاربنا منذ أمد بعيد بعد سيل الهزائم والركلات القيمية التي تعرضنا لها. بلا شك أرواحنا ومنظوماتنا القيمية تحتاج الى مكانس كثيرة كي تعود الى سيرتها الاولى. لكن تبقى مكنسة العمل الطوعي في الصدارة من ذلك الشوطر المنتظر.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة