فيصل لعيبي: انجراف بعض المثقفين إلى الطائفية حالة شاذّة في تاريخنا المعاصر

قال: سيوحدنا الاقتصاد حتماً إذا لم توحدنا الثقافة والتقاليد والتاريخ المشترك

حاورته: ابتسام يوسف الطاهر

من الفنانين الذين استجابوا لدعوتي في طرح وجهات نظرهم بشأن الطائفية هو الفنان التشكيلي المعروف فيصل لعيبي. الذي يعدّ من أكثر الفنانين التشكيليين عطاءً ونشاطاً. فهو أحد مؤسسي «المقهى الثقافي» في لندن أحد المنابر المهمة التي يؤمها العراقيون المغتربون والعرب في لندن. وله عدة معارض في لندن ومشاركات في معارض أخرى في دول عربية وأوروبية، آخرها في دبي بصالة «ميم» للفنون في معرضه بعنوان «أوجاع ومسرات».
في زيارة للأستوديو الذي يشغله الفنان فيصل لعيبي، حدثنا عن مشروعه الذي يواصل فيه مسيرته الفنية. حدثنا عن المقهى الثقافي الذي أسسه مع المخرج على رفيق بجهود شخصية ومحدودة استطاعوا عبرها تقديم أماسٍ ثقافية وفنية مهمة ضيفوا في أثنائها العديد من المبدعين العراقيين والعرب.
وبالرغم من زحمة الموضوعات، استثمرت تلك الزيارة لطرح موضوع المثقف العراقي والطائفية، والسجالات التي تنتشر على بعض مواقع التوصل بشأن هذا الموضوع؛ لأن لعيبي من المثقفين العراقيين اليساريين ممن وظفوا فنهم من أجل المجتمع وقضاياه. والتزم جانب الدفاع عن حق المجتمع في التطور والتقدم.

* ما رأيكم بتلك النزعات الطائفية بين المثقفين العراقيين؟
– شكراً لكم على هذه المبادرة التي تصب في مجرى الصالح العام للبلد والشعب معاً. جعل السنة ككل والشيعة ككل كخندقين غير متصالحين، أمر في غاية الخطورة. في حين أن الوقائع تقول ان الأحزاب الإسلامية الشيعية منها والسنية، هي التي تمارس هذه اللعبة وليس جماهير الطائفتين، الذين كانوا دائماً وما زالوا إخوة متحابين في هذا الوطن. وعلينا أيضاً تأكيد أن الأكراد كشعب لم يفد من هذه المحاصصة، وإنما عتاة القوميين منهم كما هو الحال مع عتاة الطائفيين من السنة والشيعة.
إن مأزق الطائفية لم يكن وليد اليوم، فقد كرسته أطماع السلطة والسياسة، منذ بدايات الخلاف بشأن أحقية من يحكم المسلمين أو الدولة الإسلامية التي نشأت بعد وفاة النبي مباشرة. ومع مرور الوقت تحولت المسألة من قضية فقهية وفكرية بالدرجة الأولى الى قضية عقائدية وطبقية وعنصرية.
وفي حالتنا، كان صراع الدولتين العثمانية والصفوية قد كرّس هذا التناقض الذي لم يكن للشيعة ولا للسنة يد فيه. فقربت السلطة العثمانية فقهاء السنة من الذين يتعاطون معها إيجاباً وأبعدت فقهاء الشيعة من الذين يميلون إلى السلطة الصفوية التي تميل إلى المذهب الشيعي حصراً. ولهذا ظهرت ما يسمى بالتبعية العثمانية والتبعية الفارسية أو الإيرانية؛ لأن العراقيين كانوا في حالة اجتياح الفرس للعراق، يتزودون بوثائق فارسية وعند عودة العثمانيين إليه تصبح وثائقهم المدنية عثمانية.
وعند دخول البريطانيين إلى العراق في أثناء الحرب العالمية الأولى تخلّى فقهاء السنة ويا للمفارقة عن دولتهم، التي كانت تدعمهم. في حين تصدر فقهاء الشيعة للدفاع عن الخلافة الإسلامية وشكلوا جيشاً جباراً لملاقاتهم في معركة الشعيبة الشهيرة، مدعين محاربة الكفّار البريطانيين ومناصرين للدولة التي كانت تضطهدهم بالذات. وبعد سقوط الدولة العثمانية التي كانت تنتصر للمذهب السني حصراً، دخل فقهاء ورؤوس الطائفة السنية في العملية السياسية التي تمخضت عنها الحرب، وعارض فقهاء ورؤوس الطائفة الشيعية التعامل مع الأجنبي. هكذا رأينا السيد عبد الرحمن الكيلاني يتصدر رئاسة الوزراء في حكومة الاحتلال. في حين تصدر الفتاوى من النجف في حرمة التعامل مع السلطة الجديدة.
ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم يلعب رجال الدين والسياسيون السنة والشيعة على وتر الطائفية ويجرّون معهم طائفتيهما إلى حلبة الصراع هذه.
ولم نجد مثقفاً من هاتين الطائفتين قد مجّد أو ذم هذه الجهة أو تلك ولم يحتمٍ أحدهم بمثل هذه الواجهات، إلا ما ندر ومن أناس أنصاف متعلمين أو متعاملين مع الثقافة.
اليوم القضية أخذت أبعاداً أخرى، قد تشبه ما جرى في تشكيل الحكومة المحلية في العراق في عشرينيات القرن الماضي، لكن الآية منقلبة، إذ يتهم اليوم الشيعة بالهيمنة ويشتكي السنة من التهميش. والحال ليس هكذا تماماً، وإنما استعملت الطائفية في شكلها المقيت للابتزاز والحصول على المكاسب. كما استعمل أيضاً قادة الأحزاب الكردية لافتة مظلومية الشعب الكردي، للحصول على مكاسب جديدة ومطالب لا تنتهي في ظروف معقدة جداً قد تطيح بمجمل الوضع في العراق إلى ما لا يحمد عقباه، كما يقال.
لقد كان العديد من مثقفي العراق يفكرون في الافادة من الوضع الجديد الذي حصل بعد سقوط النظام الدكتاتوري السابق، وكل له مآربه وعصاه التي يتوكأ عليها، وقد دخل بعضهم هذه المغامرة وتجند لخدمة الوضع الجديد. وما يزال منهم داخل هذا المخاض الصعب، آملين وبنوايا حسنة عموماً أن ينعطف الوضع نحو الأحسن. لكن بعضهم استفاق وعاد من التجربة بمرارة ما يزال يلوكها حتى بعد مرور أكثر من عشر سنوات على التغيير.
أما القسم الآخر الذي آثر الانتظار من مواقع مختلفة أيضاً، فقد وجد نفسه مهملاً أو منسياً وربما حتى قد تم تجاهله. وهو الذي نشط قبل دخول الأميركان للتحضير للمرحلة المقبلة، وقد صدرت بيانات وعقدت لقاءات بشأن هذا الأمر – بيان كنعان مكية والموقعين معه وبرلمان المثقفين الذي دعا إليه الشاعر سعدي يوسف والكاتب عبد الحسين الهنداوي، كأمثلة – وهنا قد يقع على قادة الأحزاب السياسية الديمقراطية والمدنية بالذات، التي أسهمت في السلطة أو أيدت الوضع الجديد، مسؤولية هذا التشظي والتلاسن والاتهامات التي نقرأ العديد منها هذه الأيام؛ لأنهم لم يتبنوا موقفاً صريحاً منذ البداية من هذا السرطان المرعب الذي نطلق عليه اليوم (المحاصصة أو الطائفية السياسية).
وبالنتيجة انجرف بعض المثقفين إلى فخ هذه الحالة الشاذة في تاريخنا المعاصر. أظن ان هناك مصالح شخصية ضيقة في مثل هذه الحالات ليس لها علاقة بالمبادئ ولا بالأفكار. وقد تبدأ من موقف بسيط مثل عدم الدعوة الى مهرجانات أو فعاليات يعتقد أن من حقه حضورها، ومن ثم يتضخم ويصبح فتقاً واسعاً في مسيرة هذا المبدع أو ذاك. بحيث يجعل بعضهم يقف مع ما يسمى بــ»المقاومة الشريفة» مع أنها تتكون من عتاة القتلة والمجرمين من بقايا النظام السابق والمجاميع المتطرفة من القوى الدينية التي تريد العودة بالعراق الى القرون الوسطى وتدمير نسيجه الاجتماعي وثقافته الموزائيكية النادرة، وطبعاً، بحجة مقاومة الاحتلال، في الوقت الذي يتم ذبح العراقيين في عملياتهم وليس قوات الاحتلال، كما دلّت التجارب التي مررنا بها.
وكلنا قرأ العديد من إنذارات بقايا النظام السابق لعناصره التي حاولت التقرب من السلطة الجديدة والتعاون معها، وهددت هذه المجاميع جميع العراقيين بالويل والثبور فيما لو تم تعاملهم مع «عملاء الاحتلال» أي الحكومة التي تشكلت بعد سقوط نظام البعث. ودخل في هذه الزوبعة العديد من الكتاب والمثقفين ذوي النوايا الحسنة المشهود لهم بالوطنية والكفاح من أجل الديمقراطية والتقدم والحقوق المشروعة للإنسان العراقي. ومع أن حِدّةَ بعضهم قد خَفّتْ، لكن بعضهم ما يزال يعزف على هذه النغمة، لأسباب عديدة كما قلت.
عموماً تعدّ هذه ظاهرة شاذة وغير حضارية وتتسم بالغلو والتطرف والجهل بالعملية الجارية في عراقنا المبتلى. وبالتالي لا تلامس حقيقة وجوهر الوضع وإنما سطح الأشياء. وستزول حتماً؛ لأنها غير أصيلة ولا تقف على أرض صلبة.

* كيف ترون تأثير هذه الظاهرة في الشارع العراقي، في الوقت الذي كثير من الشباب في داخل العراق يطالبون بإلغاء المحاصصة والمناداة المؤسفة بوضع مسميات (سنة وشيعة) في الإحصاء السكاني؟
– المجتمع العراقي مجتمع متنوع ولهذا من الصعب عليه قبول مثل هذه الظواهر، ربما يستغرق التخلص منها بعض الوقت. وعلينا أن لا ننسى هنا ما قام به النظام السابق من ممارسات كرّست مثل هذه الظواهر وحاولت تأبيدها في عراقنا. وكذلك ما فعلته الأحزاب الدينية والقومية التي تهيمن الآن على مقاليد الحكم في العراق، ولا تعترف بمفهوم المواطنة، بل تؤكد المفاهيم الثانوية والبعيدة عن روح العصر والمدنية.
لا علم لي إن كانت الوثائق العراقية الحالية تذكر المذهب في وثائقها أم لا؟ لكني لا أظن أن هذا سيؤثر كثيراً في مستقبل العلاقات الاجتماعية بين العراقيين، ولا سيما ان نهري دجلة والفرات يفرضان عليهم الوحدة والتعاون والعمل المشترك. وعليه فليس التاريخ أو الثقافة هي التي توحدهم فقط، بل حتى الجغرافية والثروة المائية وما تحت الأرض كذلك.
ورفض الشباب لمثل هذه التسميات يعني بما لا يقبل الشك أن وعيهم متقدم على وعي النخب السياسية عندنا.

* ما دور المثقف الآن في رفع معنويات الشعب وتعزيز روح المواطنة والولاء للعراق فقط قبل كل الولاءات؟
– دور المثقف الأساسي هو إنتاج المعرفة، لهذا فدوره مهم ومطلوب وضروري، لكن المثقف وحده غير قادر على التأثير في المجتمع. فهو يحتاج إلى مؤسسات توافر له الإمكانيات والوسائل والظروف المناسبة، للقيام بدوره التنويري المفترض، وفي حالة عدم توافر هذه الأمور أو بعضها، فهو سيواجه عدة مشكلات ويقصّر حتماً في إتمام مهمته على الوجه المطلوب.
نحن مجتمع زراعي- ريفي- قبلي بالدرجة الأولى. وقد دخل النفط علينا فجأة وأربك عمليات الإنتاج التقليدي لدينا وقد تسبب كذلك في تدمير الحرف والفنون التقليدية والأزياء والتقنية الاجتماعية السابقة على عصر النفط. مما جعلنا غير قادرين على التلاؤم مع متطلبات البيئة الأولى وحركية العصر الحديث، لهذا فنحن نشبه الى حدٍ ما مستر هايد والدكتور جيكل، نصف حديث ونصف تقليدي، وهذا يبرز عادة في الموقف من المرأة والتنوير والأفكار المعاصرة. ولا سيما الديمقراطية والعقلانية منها بالذات.
صحيح ان العراقي قد أثبت في النصف الأول من القرن الماضي أهليته لتقبل الحداثة، وقدم نماذج طليعية في هذا الجانب، مثل التشكيل والشعر والعمارة والفكر السياسي التقدمي والديمقراطي. لكنه سرعان ما نكص وارتد إلى الوراء، مع أول هجمة من قبل قوى الإرهاب والتخلف والظلام عليه. وذلك بسبب انعدام التقاليد الراسخة والقواعد الأساسية للتغلب على مثل هذه الموجات.
وبالمناسبة فإن موجة القوى الظلامية تأخذ اليوم طابعاً دولياً وتنتشر مساحتها على عموم الكرة الأرضية، فهي ظاهرة عالمية حقاً. فالولايات المتحدة تعجّ بالحركات الدينية المتطرفة وكذلك روسيا وأوروبا والصين وغيرها من البلدان التي قطعت أشواطاً في مسيرتها نحو التقدم.
نحن نحتاج إلى مؤسسات مدنية، ودستور معاصر ودولة غير دينية ومجتمع حديث، يؤمن بحقوق الإنسان الأساسية والمساواة بين المرأة والرجل ويضمن حقوق الطفولة ومستقبل الأجيال المقبلة ويضع القاعدة الصلبة لعدم التقهقر الى الخلف. المثقف طرف في هذه العملية لكنه غير قادر وحده على القيام بكل هذه المهام المعقدة المتشابكة والموزعة بين طيف واسع من قوى المجتمع العراقي الحديث.

* هل تعتقد أن وراء تلك الأصوات بقايا البعث ذاته أو أميركا التي يخدمها التقسيم وبقاء الفوضى السياسية تلك؟
– علينا الاعتراف مقدماً بأن السلطة التي جاءت إلى الحكم بعد سقوط النظام البعثي، لم تعالج مسألة بقايا حزب البعث وأنصاره ومؤازريه بطريقة عقلانية أو إنسانية، برغم ما قام به ذلك الحزب من جرائم بحق الشعب والوطن، وعلينا كذلك تأكيد أن ليس كل البعثيين أو الذين أصبحوا أعضاء في ذلك الحزب يتحملون وزر جرائم قادة الحزب وعناصره الرئيسة. وقد لعب قانون اجتثاث البعث دوراً سيئاً في معالجة هذه القضية وذهب ضحيته من جراء ذلك الآلاف من الأبرياء الذين اضطروا للانخراط في صفوف ذلك الحزب بالقوة أو بسبب الحاجة والظروف التي وجدوا أنفسهم فيها، ولهذا صنعت السلطة التي جاءت الى الحكم بعد حزب البعث أعداءً جدداً لها من دون مبرر. وعقّدت على نفسها المهام التي هي تحتاج إلى التطبيق، فانخرط معظم هؤلاء المنتمين الى البعث في مواجهة العنف الذي تعرضوا له من باب الدفاع عن النفس، في النشاطات الإرهابية وممارسة العنف والتخريب محاولة إجبار الحكومة على الاعتراف بهم. وكذلك للانتقام ممن سبب في سقوطهم، ونحن نرى كيف يمارسون نشاطهم الذي يجعل ممارسات السلطة الحالية، من دون مبالغة، مجرد ردود أفعال لما يقومون به، أي إن المبادرة لحد الآن بيد بقايا البعث ومن يؤيدهم من العرب والقوى الخارجية الأخرى، مستعملين شتى الطرائق والوسائل بما فيها الدخول في مؤسسات السلطة الحالية الحساسة مثل الأمن والجيش والشرطة وغيرها.
أما أميركا وما أدراك ما أميركا؟ فهي اللاعب الأساسي ولكن ليس الوحيد في الملعب العراقي، ولا أظنها تريد تفريقنا على الطريقة التي يرطن بها بعضهم، فمبدأ رأس المال يعتمد على التمركز وتوحيد مصادر الثروة، ولهذا لا يتماشى مفهوم التمزيق مع مفهوم المركزة. المطلوب سوق مركزي واحد تستطيع التعامل معه وليس أمراء حرب مزاجيين وجهلة بقوانين الإنتاج رأس المالي الضخم.
أظن ان مسألة التفريق لها علاقة بالدولة اليهودية؛ لأنها الوحيدة التي لها مصلحة بذلك، وهي لا تخفي نواياها أصلاً، وترى في وحدتنا نهايتها. ولهذا فهي تعمل وبمساعدة قوى غربية عديدة ومن ضمنها مراكز قوى أميركية، على زعزعة المنطقة وعدم استقرارها. وهناك مخططون أذكياء يعملون على إثارة النعرات الضيقة والقابلة للتفجير في أي وقت، ولكن حتى هذا أيضاً لن يدوم؛ لأن المصلحة في النهاية سترجح التعامل مع منطقتنا كطرف موحد مثل الاتحاد الأوروبي وليس كدول متفرقة، إذ سيوحدنا الاقتصاد حتماً، إذا لم توحدنا الثقافة والتقاليد والتاريخ المشترك لشعوبنا.

* لا شك في أن صوغ الدستور بصورته الحالية أعطى فرصة لبعضهم للتعكز عليه وتعزيز التقسيم الطائفي للسلطة. فهل بالإمكان تغيير هذا الدستور أو في الأقل إلغاء المواد التي تتبنى الطائفية أو تبررها؟
– الدستور العراقي مطبوخ بعجالة وهو يحمل المتناقضات كلها. ولهذا فتعديله من أهم الأمور المطلوبة، إذا أردنا السير في ركب الأمم المتحضرة، سوف يعدل حتماً إذا ما أتت الانتخابات المقبلة بحكومة مدنية ديمقراطية وتشكل البرلمان من أناس يؤمنون بمفهوم المواطنة وحقوق الإنسان والمساواة بين البشر، من دون تمييز أو تعصب، وبنود الدستور ليست سرمدية وتغييرها طبيعي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة