هل ستحترق داعش بنار الكساسبة؟

سلام مكي *

حرق الطيار الاردني، كان مفاجأة كبرى للأردنيين وحدهم، فالدول التي ذاقت نار داعش، والدول التي وفرت وما تزال وقود داعش، لتحرق بها الاولى، لم تتفاجأ، لأنها تدرك حقيقة التنظيم واجرامه. الجريمة فادحة، ومؤثرة، لكل العالم. ولا اتصور ان قتله بهذه الطريقة البشعة كان واردا، خصوصا وان مفاوضات التبادل بين الاردن والتنظيم لم تصل الى طريق مسدود، واعلان الاردن في اكثر من مناسبة انه مستعد لمبادلة معتقلي التنظيم لديه وهما العراقيان ساجدة الريشاوي والكربولي، مقابل الافراج عن الطيار المعتقل لدى داعش. ولكن مشاهد الحرق للطيار، صدمت الاردن، بدرجة كبيرة. امور كثيرة كشفتها عملية الحريق، اهمها ان الاردن، يعد اليوم، الحاضن الاول للفكر السلفي، الجهادي، اذ هناك مدن بأكملها تؤمن بالفكر الجهادي، وهي عبارة عن قنبلة موقوتة، قد تنفجر بوجه الدولة بأية لحظة، وما تصريحات رجل الدين الاردني الملقب( ابو سياف) لقناة الجزيرة القطرية الا دليل على ان الاردن، برغم ما يشاع على انها محصنة من الارهاب، لاعتبارات معروفة للجميع، فإن رجل الدين هذا، كشف عن وهم هذا التصور، فعلى ما يبدو ان هناك الكثير من الخلايا النائمة لداعش، والحواضن الواسعة لها، يمكنها ان تخالف اي تصور او فكرة. رجل الدين هذا، كشف عن عدة امور خطيرة، منها انه كان الواسطة بين الدولة الاردنية وداعش، حول الافراج عن الطيار، وان المطلوب للقضاء العراقي عزة الدوري، على علاقة وثيقة بالتنظيم الارهابي، وان بعض العشائر العراقية، لها نفوذ واسع لدى التنظيم، وبرغم قسوة وبشاعة القتل، لم يتجرأ ابو سياف، على ادانة التنظيم، وقال ان البعثيين العراقيين، هم من قتل الطيار وليس الداعشيون! الاردن، التي تؤوي العشرات من الشخصيات العراقية الداعمة لداعش، والتي تسمح لها بعقد مؤتمرات لنصرة داعش، وتقديم الدعم الاعلامي لها وتسويقها على انها الممثل الحقيقي للسنة، اضافة الى سماحها بترويج الافكار السلفية الداعمة لداعش، لم تكن تتصور ان نيران الارهاب ستحرقها يوماً! ولكن، ردة الفعل الرسمية الاردنية، كانت على قدر كبير من المسؤولية، اذ تم اعدام الريشاوي والكربولي بعد حرق الطيار مباشرة، وقيام الطائرات الاردنية بقصف معاقل داعش في الموصل. هذه الاجراءات، استدعت من بعض المثقفين العراقيين، ان يطالبوا الحكومة العراقية بالتعامل مع الارهابيين بالطريقة نفسها التي تعاملت بها نظيرتها الاردنية، اذ عليها ان تعدم وجبة من الارهابيين بعد كل حادث ارهابي، وان تشدد من قبضتها على الوضع الامني، وبالمقابل على الشعب العراقي ان يتوحد ضد الارهاب كما الشعب الاردني، وان يعلم ان الارهاب ومن يقف خلفه، لا يمثل أآي جهة او طائفة. وعلى الحكومة ان تفعل من خطابها الوطني، وتنفذ جملة من الاصلاحات السياسية والاقتصادية، التي تسهم الى حد كبير من صرف الناس عن الانقياد خلف العواطف الدينية والمذهبية، وبالتالي، تحقيق نوع من الولاء للدولة. سؤالان هنا: هل بإمكان الدولة العراقية ان تنفذ حكم الاعدام بالإرهابيين الذين يملؤون السجون، بعد كل حادث قتل او تفجير، ثأراً لمن قتل؟ وهل سيقبل السياسيون العراقيون بمختلف انتماءاتهم هذا الاجراء؟
الجانب الآخر من القضية هو البيان الذي اصدره التنظيم بعد الحرق، والمتعلق بتبرير الفعل الاجرامي، وايجاد مخرج فقهي وشرعي له. فنص البيان يشير الى ان التحريق موجود في الشريعة الاسلامية، اذ قام النبي( ص) بتسميل أعين العرنيين بالحديد المحمى، وقام خالد بن الوليد بحرق اناس لأنهم ارتدوا عن الدين! اذا: الحرق بالنار من السنة النبوية! وهناك صاحبة كبار حرقوا اشخاصاً لأنهم اختلفوا معه بالرأي! النصوص التي استندت اليها داعش موجودة في كتب معتبرة عند عامة المسلمين. وهذا يستدعي من المسلمين اعادة النظر بتراثهم، وقراءته قراءة نقدية، من جديد، وعليهم الا يستنكروا حرق الطيار، لأن ثمة من حرق قبل داعش، ولم يمس الحارق بسوء، لا في ذلك الوقت، ولا في هذا! فما الذي يجعل داعش تختلف عن غيرها؟ على المسلمين رفض هذا التراث، ورفض النصوص الدينية التي تشير الى ان النبي محمد قام بحرق وتسميل اعين مجموعة من الاشخاص لأي سبب كان، لأن في هذه الاحاديث اساءة كبرى، اشد واعظم من رسوم كاريكاتورية! وهذا البيان، قد لا يقل اجراماً وفداحة عن حادثة الحرق نفسها، اذ يمكن لأي متطرف او رافض للاسلام، ان يستخدمه كذريعة للطعن بالدين والاساءة له. نحن نحتاج الى اجوبة من المؤسسة الدينية الرسمية: هل ان النصوص الدينية التي بررته بها داعش حرق الطيار هي نصوص اسلامية فعلا؟ ام انها بعيدة عن الاسلام؟ داعش اليوم، تقتل الشيعي والسني على السواء، وعلى هذا الاساس، تبدو الفرصة عظيمة لجعل هذه العداوة خيطاً جديداً من خيوط التواصل بين الجانبين، والا فسوف تعد داعش تابعة لجهة معينة، وهذه كارثة بحد ذاتها. وقبل بيان داعش، اصدر الازهر في القاهرة بيانا دان فيه عملية الحرق بأشد العبارات، ودعا الى قتل اطراف الداعشيين وحرقهم وصلبهم! الازهر هنا، يقول ان افعال داعش لا تخالف الشريعة الاسلامية، لان الصلب وقطع الاطراف موجودة في الدين الاسلامي، لكن داعش تستخدمها لغير اغراضها الحقيقية؟ هل يمكننا ان نتصور ان الاسلام، الذي هو دين الرحمة، يتضمن احكاماً بالصلب والقتل لمن يخالفه في الرأي؟ يذكر ان الازهر، وكل المؤسسات الدينية العربية، لم تكفر داعش، ولم تخرجهم من الاسلام، عكس ما فعلت مع كثير من المثقفين. فمتى يحين الوقت، ليصدر الازهر فتوى بأن داعش ليست من الاسلام، وان افعالها لا علاقة له بالإسلام؟ الفعل الذي صدر من داعش، اصاب الكثيرين بالصدمة، وما زلنا نرى مزيداً من ردات الفعل، من قبل المتضررين من هذا الفعل، نحتاج الى رد فعل جذري، ثوري على ممارسات داعش، وسياستها، نحتاج الى رد فعل يتسبب بطرد المؤيدين لداعش من الاردن، والى محاربة الفكر الجهادي المتفشي فيها، نحتاج الى سياسة اكثر صرامة بحق الارهابيين. واخيراً: هل يمكن للنار التي احترق بها الكساسبة، ان تحرق داعش؟

* كاتب عراقي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة