المدن العراقية بين الذاكرة المنسية وصراع الهويات

سلام مكي

بسبب ارتفاع مناسيب الصراع السياسي، وتجذر اشكالياته في الوعي العام، انتقلت مفاهيم وتمثلات هذا الصراع إلى حقول معرفية وثقافية أخرى، ليسبب نشوب أزمات محلية بين الشرائح والفئات المكونة للمجتمع، فالمدن، ونتيجة لهيمنة قوى بعينها، غالباً ما تكون، طارئة على تلك المجتمعات، أو جاءت بعد التغيير، لتؤدي إلى نشوء نوع من الصراع بينها وبين هويات تلك المدن، وربما تبرز آثار هذا الصراع في الوضع العام، وفي البنى التحتية والفوقية لها. ولنأخذ مدينة الحلة، جنوب بغداد، إذ يمكن أن نجد صورة واضحة للصراع والتناقض بين الطبقات الأصيلة لمجتمعها وبين الطبقة الدخيلة، هذا الصراع تجلى في المظهر العام للمدينة، اذ أن الزائر لها لا يمكنه معرفة هويتها ولا الآيديولوجية التي تحكمها. فلو قلنا ان هويتها اسلامية، لوجدنا ان الواقع يخالف هذا التوجه، فلا وجود لأي مظهر يدل على انها تنتمي فعلاً للإسلام، فلا تجسيد مثلاً، لمقولة نبي الإسلام: النظافة من الإيمان، أو تنظفوا فإن الإسلام نظيف، ولا وجود للفن الاسلامي والعمارة الاسلامية. ولو قلنا ان هوية المدينة ليست اسلامية، ولم تتأثر بالمد الآتي مع التيارات الجديدة، لما وجدنا أيضاً، مظاهر تدل على ان المدينة توجهها مدني، فلا وجود لمقولات الحرية والديمقراطية التي تنادي بها الديمقراطيات، ولا نجد أن القانون هو السائد والمهيمن على مفاصل الإدارة السياسية، ولا نجد تطوراً في الفن والثقافة والأدب، فالمدينة تملك بضعة تماثيل تعود إلى الحقبة الماضية، لرموز تاريخية وأدبية. تلك التماثيل، بقيت منتصبة تصارع الزمن، والإهمال، لدرجة أن أحد تلك النصب، كاد يتهدم، نتيجة الإهمال، بالرغم من انه لا يبعد سوى أمتار عن مقر الحكومة المحلية. المدينة، تشهد اليوم صراعاً خفياً، غير متكافئ بين أناس ترى أنها مهد الحضارة والتاريخ والفن، ولا بد من أن نسير على خطى الأجداد، في تطوير الثقافة والفن، وبين أناس يرون أنها مدينة الدين والحوزة، ويجب لها أن تكون مدينة محافظة على غرار النجف وكربلاء. وبرغم امتلاك الطرف الثاني، لمظاهر الهيمنة والسلطة والنفوذ، لم يتمكنوا إلا من التضييق على الحريات، وإشاعة أجواء الخرافة والجهل. ما أنجز من نصب وأعمال فنية بعد سقوط النظام، هي أعمال سطحية وساذجة، تعبر عن ضحالة صانعيها، ربما هي مقصودة بهدف افساد الذوق العام والتأسيس لثقافة مغايرة، ترمي إلى إعادة صوغ العقل الجمعي على مقاسات، محددة، يعدونها المطلق، وأي فكر غيرها، لا بد أن يقبر! ومدينة بغداد، أيضاً لا تقل فداحة عن الحلة، إذ أن الخراب هو ذاته، والصراع لا يقل ضراوة بين التيار المدني والتيار الديني، وبين هذا وذاك، بقيت بغداد، تعاني الاهمال والتصحر الثقافي والعمراني والخدمي. السياسي الذي ينتمي الى التيار الديني، لم يفكر يوماً، بجعل بغداد، نظيفة، ومزدهرة، لم يفكر بطريقة للتخلص من الكم الهائل من النفايات والأوساخ التي تملأ الشوارع والأزقة، لم يستطع معالجة الأخطاء التي وقع بها النظام السابق. بغداد، تعاني اليوم، من أزمة في المظاهر الثقافية، من اهمال في البنى التحتية الثقافية. وإلا، ماذا نسمي، انه وفي عقد كامل، لم يستطع النظام السياسي، انجاب شخصية تهتم بالثقافة وتدرك قيمتها؟ ماذا نسمي إهمال العشرات من المواقع الأثرية، التي يمكنها أن تشكل قبلة سياحية للعالم؟ ماذا نسمي إهمال السياسي لترسيخ المظاهر الجمالية في شوارع بغداد؟ ماذا صنعت القوى المدنية، للثقافة، وهي التي ارتضت أن تكون شريكة للتيار الديني؟ فالنظافة، برغم أهميتها، لا تكلف كثيراً، فبضع مشاريع، مع اشاعة ثقافة خاصة بها، يمكننا بعدها كسب شوارع نظيفة، وحدائق وأحياء، لكن الوعي السياسي والجمعي بصورة عامة، يرفض أن تسود النظافة، والسياسي، المالك للسلطة والنفوذ، لم يستطع تأسيس الوعي في الذهنية العامة، هو فشل نظرياً وتطبيقياً، في تشكيل هاجس، نفسي، يؤسس لثقافة بديلة عن ثقافة البعث، بل هم أسسوا ثقافة لا تقل فداحة عن ثقافة البعث. اليوم، نحن نحتاج إلى خارطة طريق، تفتح آفاقاً جديدة، لثقافة حقيقية، مدنية، يمكنها أن تعيد إلى بغداد إلى ألقها وجمالها، ثقافة تنظر الى الانسان بوصفه أثمن شيء بالوجود.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة