الأخبار العاجلة

معاركهم

تاريخ البشر يعج بالصراعات والاشتباكات المختلفة والمتنوعة، وتعد الحرب العالمية الثانية آخر وأكثر المحارق التي عرفها التاريخ الحديث. ووسط ذلك الكم الهائل من النزاعات والنهش المتبادل والشراهة في انتهاك حقوق الانسان والبلدان، هناك عدد قليل مما يطلق عليه بـ (الحروب العادلة) حيث تدافع جماعة معينة عن حقوقها المشروعة في الحياة والعيش الكريم. مثل تلك البقع المتوهجة والتي لا مناص منها بوصفها السبيل الوحيد للبقاء بعيداً عن شروط الذل والهوان، هي ما تمثل الضد النوعي لـ (معاركهم) أي معاركنا التي لا نصبح فيها حطباً لسدنة الحروب وسماسرتها. وفي هذا الوطن المنكوب بأكبر وأكثر حروبهم همجية وفتكاً، تتواصل هذه اللعنة (الحرب بالوكالة) على تضاريسه المنتهكة بسلسلة الحروب الداخلية والخارجية. وبمقدور كل متابع موضوعي لتاريخ العراق الحديث، أن يدرك نوع هذه الحروب والقوى والمصالح التي تقف خلفها، منذ العهد الملكي وباكورة تلك النزاعات، الى حقبة الجمهورية الاولى، وطلاسم الحرب في كردستان ومن ثم نضج الامكانية السلبية لتسلل حزب البعث وحلفائه من قوى الردة الحضارية والتي انتهت باغتيال مشروع الحلم الوطني العراقي لتشرع الابواب أمام حزمة «معاركهم» وكوابيسنا المتواصلة الى يومنا هذا.
سلسلة الهزائم الحضارية امتطت سنام تلك الحرائق والحروب، وتمكنت من فتل عنق الاحداث بعيداً عن المعركة الوحيدة، القادرة على انتشالنا من المصائر الكارثية المتربصة بنا عند نهاية هذا النفق المعتم؛ معركة التنمية ومواجهة تحديات الحياة الواقعية في ميادين المعرفة والاعمار والاقتصاد والارتقاء بحقوق البشر وحرياتهم. وعندما نتوقف قليلاً عند النتائج التي يمكن ان تتمخض عنها (معاركهم) ونوع البرامج والغايات النهائية للمنتصرين فيها، ونوع الفواتير التي سيسددها المهزومون، سنجد الحطب ذاته من المستضعفين في حروب الحيتان والاجندات الغريبة عن المصالح العليا للوطن والناس. ان حرب التحالف الدولي ضد داعش، تمثل امتداداً للسياسات والتحالفات التي خلفتها الحرب الباردة بين الغرب والشرق. ومن سوء حظ سكان العراق والشام (سوريا) ان تكون مدنهم وقصباتهم وقراهم مكاناً لأحد أكثر الحروب استنزافاً وهمجية وأطولها زمناً، حيث يتوقع وزير الدفاع الاميركي السابق (بانيتا) بأنها ستمتد لثلاثة عقود. ومع مثل هذه (المعارك) حيث تشترك منظومة داعش الرسمية في قصف منظومتها الشعبية، وتجييش الحماسة الجمعية وتضخ امدادات الرزق الريعي لولايات وممالك المنطقة، في هذه المحرقة الشاملة، والتي ستصبح مهزلة (أم المعارك) مجرد مزحة سمجة مقارنة واحتياطاتها الهائلة في مجال الفتك وبرمجة الانحطاط القيمي والاجتماعي لشعوب وقبائل وملل أضاعت بوصلتها منذ زمن بعيد..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة