الأخبار العاجلة

أطباء بلا ضمير

يتطور العالم المتحضر إنسانيا كلما تطور تكنلوجيا؛ على الضد تماما من المعادلة البشعة التي فرضتها الرأسمالية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين التي ارادت وحققت إلى حد كبير مسخ الإنسان «العامل» بالذات وتحويله إلى مجرد آلة أو جزء من الآلة دون أي اعتبار لكينونته البشرية أو لإنسانيته.
بيد أن كفاح ونضال الإنسان ضد الظلم والجشع استطاع قلب هذه المعادلة عبر عقود طويلة من الصراع قدمت فيها الشعوب الحية المآثر العظيمة في سبيل تحررها من هيمنة وجشع الرأسماليين الذين هم أحد فصائل مصاصي الدماء مجازا حسب أمراض الرأسمالية وإفرازاتها السامة كما تجسدت بشخصية دراكولا البشعة.
تطور ويتطور باطراد المجتمع الأوروبي مدنيا واستطاع تأسيس الأحزاب التي تنطق باسمه فضلا عن النقابات الحرة التي تطالب بحقوقه وتضمن سلامته البدنية والصحية وتحسين شروط عمله بشكل عام، ومن ثم تأسيس منظمات المجتمع المدني التي تستوعب قطاعات واسعة من الشعب في ظل شعار إنساني يهدف إلى ضمان حقوق الناس وأعضاء المجتمع ليس في نطاق الدول المعنية فقط وإنما تعديها إلى دول أخرى هي بحاجة ماسة لدعم وتضامن مؤسسات المجتمع المدني ذات الطابع العالمي. من ضمن هذه المؤسسات الاجتماعية منظمة «أطباء بلا حدود» التي أنتشر دورها الإنساني الكبير عالميا وذاع صيتها بتقديم المساعدات الطبية ميدانيا في غالبية الدول ومناطق النزاعات وبؤر الأمراض الخطيرة المعدية كالإيدز والكوليرا وأنفلونزا الخنازير والطيور، وأخيرا وليس آخرا فايروس الأيبولا الذي يجتاح الغرب الأفريقي ويؤدي بحياة عشرات الألاف للقاء حتفهم ويهدد بالانتشار السريع كالنار بالهشيم لولا تدخل المنظمات الدولية والمعونات الطبية العاجلة التي تتجاوز المليارات من الدولارات، والأهم من كل هذا التطوع الشخصي لكثير من الأطباء المحترفين وكوادر التمريض التي تشكل فرقا كاملة بأطقمها الطبية وتقنياتها المتطورة لعلاج المصابين ومد يد العون لإنقاذهم من الموت الزؤام. وبالطبع راح الكثير من هؤلاء الأطباء والممرضين ضحية لعملهم الإنساني الجليل في عمل رائع ومتفان من أجل الناس البسطاء والمحتاجين.
في العراق الحاضر يتحول الكثير من الأطباء والممرضين في القطاعين الرسمي والخاص إلى مصاصي دماء على طريقة دراكولا الرأسمالي في بدايات القرن العشرين، متراجعين عن مبادئهم السامية وعن قسم ابيقور المقدس الذي يدين به كل طبيب يحمل شهادة الطب. وتحولت العيادات الخاصة إلى مسالخ لا تعني بالمرضى بقدر عنايتها بحصد الأموال من الفقراء بطرق ملتوية وبشعة جعلت الطب بالعراق ينحدر بسمعته نحو الحضيض.
هل يمكن لنا تخيل طبيبا ينظر للمريض كونه رزمة من الدنانير وهو يعاني الألم وليس له من معين لا من الدولة ولا من أطباء بلا ضمير؟
علي عبد العال

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة