جمهور بغدادي يصغي لقصائد النيوزلندي دارين كمالي

عبر دائرة تلفزيونيّة وبالتعاون بين بيت الشعر وجامعة الإمام الصادق

بغداد- الصباح الجديد:

“قادم من جزيرة الجنّة/ حيث الناس الطيبين/ والجزر الملأى بالبسمات/ أقتفي اللحظات البارزة/
في الزمان/ لحظاتي أنا/ تلك الأيام الجميلة من حياتي/ التي أعدتني لصراع الحياة..”.
هذا مقطع ممّا قرأه الشاعر النيوزلندي دارين كمالي لجمهوره في بغداد. إذ ضمن مشروع “بساط الريح” الثقافيّ, وهو من بين المشاريع التي أطلقتها لجنة تقديم ملف بغداد لشبكة المدن الإبداعيّة التابعة لمنظّمة اليونسكو بوصفها مدينة للأدب, وبالتعاون بين بيت الشعر العراقيّ وجامعة الإمام جعفر الصادق (ع), استضاف مؤخّراً الشاعر النيوزلندي دارين كمالي عبر دائرة تلفزيونية في المركز الثقافيّ التابع لجامعة الإمام الصادق في حيّ القاهرة ببغداد. وقدّم الأصبوحة الشاعر والمترجم د.صادق رحمة. في حين أطلّ الشاعر الضيف بقراءات من دواوينه الثلاثة “حكايات وأغنيات من عالم المياه السفلي” و “الحبار خارجاً من الماء” و “ماجرى للحبار الطائر”، ليجيب بعدها عن أسلئة الجمهور من شعراء وصحفيين وأكاديميين وطلاب.
ودارين كمالي ولد لأبوين من السكان الأصليين لما يعرف رسمياً الآن لدى الأمم المتحدة بجمهورية جزر فيجي و هي دولة جزرية في ميلانيزيا في جنوب المحيط الهادئ .. هاجر إلى نيوزلندا العام 1992 كي يقيم هنالك ويصبح مواطناً نيوزلندياً منذ ذلك الوقت. بدأ حياته أولاً بشغفه الأول وهي الموسيقى وقد أصدر ألبومين هما “حكاية مهاجر” العام 2000 و “كن ذاتك” العام 2005 وقد كتب بنفسه أشعار أغنيات هذين الألبومين اللذين لاقى نجاحاً جيداً في بلده الجديد نيوزلندا وفي بلده الأم.
غير انه ترك الغناء وقرر أن يدرس الكتابة الإبداعية ويتفرغ لكتابة دواوينه أنفة الذكر.
هوس دارين بالموسيقى ترك أثراً واضحاً على نصه الشعري فغالباً ما تحتوي نصوصه على مقاطع غنائية مكتوبة على طريقة نظم مغني الراب، ومنها ما قدّمه لجمهوره في بغداد.
وتأثرت شاعريته بالتعددية الصوتية للثقافات واللغات التي عاش في كنفها فهو يتحدث الفيجية, لغة أسلافه, والانجليزية, لغة البلاد التي ينتمي إليها الآن, فضلاً عن لغات محلية أخرى من شاكلة الماوري.
إلا إن الثيمة الأساس التي تهيمن بشكل لافت على نصوص دارين كمالي الشعرية هي انشغاله بتاريخ أسلافه الفيجيين وعاداتهم وأساطيرهم ودياناتهم ولغاتهم.
يطلق دارين تسمية “ثلاثية الأجرام السماوية للحبار” على مجاميعه الشعرية الثلاث فهي منشغلة أيضاً بكتابة تاريخ الشعب الفيجي منذ نشأته، ومنها ما قرأه في الأصبوحة:
“قبل ظهور الحضارة/ وقفت شجرة جوز هند وحيدة/ على جزيرة/ وسط البحر/ تتراقص مع إيقاع نسيمه/ فسقطت من أعلاها/ جوزة هند واحدة/ وتدحرجت باتجاه الساحل/ وباتجاه مياه المحيط/ وهي تطفو من جزيرة إلى جزيرة/ غارسة نفسها في كل جزيرة/ حتى وصلت إلى الحد الأخير من بولينيزيا”.
يقول في قصيدة أخرى: “حافظ على تاريخ بلادك”، فهو برغم إقامته في نيوزلندا، إلا أنّ الوعي الشعريّ الذي يشي به نصّه يظهره فيجيّاً أكثر منه نيوزلينديّاً.
وهنا مقطع آخر له: “فقد المارد قلبه/ من دون أن يكون بلا قلب/ وفقد عقلة/ وحافظ على سلامته العقليّة/ وفقد الحبّ/ لكنّه كسب الحياة/ وعاش إلى الأبد”.
وعقب قراءة دارين كمالي الشعريّة أثيرت العديد من الأسئلة التي طرحها عليه جمهور الحاضرين ببغداد، إذ في سؤال عن رأيه بمزج الأجناس الأدبيّة والفنيّة في النصّ الشعريّ، أجاب: “إن هذا الأمر أصبح من الأمور الحتمية في زمننا هذا، فلم تعد هنالك حدود واضحة تفصل الأنظمة المعرفيّة والفنيّة البتة في زمن الثورة الرقمية وهذا التلاقح عبر الأنظمة يضفي قوة للمتن الشعريّ من دون أن ينقص من تميّز الشعر كجنس أدبيّ مستقل بذاته له قوانينه الخاصّة التي تميّزه عن الأجناس الأخرى”.
أما فيما يخص توظيف الموسيقى والإيقاعات الغنائيّة في متنه الشعريّ، فقد ذكر: “إنّ هنالك تلازماً يكاد يكون جدليّاً بين الشعر وبين الموسيقى على الرغم من أن الحداثات الشعريّة العالميّة نظرت بعين الريبة إلى الموسيقى والغنائية في الشعر أحياناً لا بل ووضعت نفسها في موقع القطيعة المعرفيّة معها، غير إنّ هذا لم يمنع من أن تظلّ مكوناً أساسيّاً من مكوّنات الشعر وخامة أساسيّة لا يقدر أن يتجاوزها مهما اعترض الدرس النقديّ على ذلك. وعن تأثير ثورة المعلومات ومعطياتها على الشعر، وجد كمالي بالقول: “إنّ ذلك التأثير كان عميقاً وجذريّاً بشكل يمكننا أن نقول معه بانّ النصّ الشعريّ بعد الثورة الرقميّة ليس هو ذاته قبلها، إذ فعلت فعلها فيه شكلاً ومضموناً و لغة”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة