لن يتجاهله المصريون ولن يتسامحوا معه

حسن خضر *

عندما افتتحت «الجزيرة» مكتباً في المغرب، قبل سنوات، وضعت يدي على قلبي (وهذا ما كتبته في حينها) كان ذلك قبل ثورات الربيع العربي، فمجرد وجود مكتب كهذا يعني أن منطقة شمال إفريقيا أصبحت مرشحة لأنشطة تستهدف تقويض الدولة، وهذا يستدعي، ضمن أمور أخرى وجود منصة إعلامية ودعائية في « المكان عينه «. وعندما افتتحت «الجزيرة» قناة «مصر مباشر»، في معمعة الثورة المصرية، جاء ذلك تتويجاً لمحاولة الاستيلاء على مصر.
أهم بلدين في العالم العربي حاول الإسلام السياسي الاستيلاء عليهما هما المغرب ومصر. كانت تونس، «العلمانية» شوكة مُستفزة، وقد نالت، مثلاً، من لسان القرضاوي الكثير، ولكن الآمال لم تكن معقودة عليها. وحتى ليبيا كانت تبدو عصية، بعد هزيمة الجماعة الليبية المسلحة، وقسوة القذافي التي لم يبخل في ممارستها والتعبير عنها. وأما الجزائر، التي صمد نظامها في حرب أهلية دامية فبدت، أيضاً، بعيدة المنال.
وفي المشرق العربي، كان العراق بعد سقوط صدّام ساحة بالغة التعقيد، وتعترض محاولات الاستيلاء عليها تكويناتها الطائفية والقومية، إضافة إلى وجود منافسين أقوياء. وسورية بدت هدفاً غير محتمل لأن النظام شرير، ناهيك عن كونه في معسكر «المقاومة والممانعة». في فلسطين نجحت «حماس» في الاستيلاء على قطاع غزة، وكان المطلوب تعزيز سلطتها، مع الاستمرار في محاولة تقويض السلطة الفلسطينية، التي حمتها مصر والسعودية والأردن بالمعنى السياسي في الإقليم والعالم.
اليمن كان ساحة خلفية للسعودية، ناهيك عن صعوبة اللعب بالحوثيين، وقد حاول القطريون تجريب حظهم هناك، لكن ضوابط اللعبة كانت في يد الإيرانيين، وفي الأثناء تمكن الإخوان من عقد اتفاقات مريحة مع علي عبد الله صالح ونظامه. السودان كان في الجيب، لكن تعدده العرقي، والثقافي، ومشكلات الجنوب المستعصية، علاوة على مشكلة الترابي، لم تُسهم في تحقيق نتائج حاسمة. ولبنان كان ساحة معقدة، أيضاً، فوجود حزب الله يعرقل ظهور منافسين أقوياء.
كان هذا قبل ثورات الربيع العربي، التي كان من نتائجها زعزعة النظام الإقليمي برمته. والأهم أنها زعزعت قبضة الدولة في كثير من البلدان العربية، فانفتحت ثغرة يمكن التسلل منها، في ظل ارتباك سلطات الدولة المركزية، وتراخي قبضتها الأمنية، وحالة الفوضى التي طالت كل شيء.
في هذا السياق، تهاوت الحدود التقليدية بين الدول، لم يعد انتقال «المجاهدين» من مكان إلى مكان آخر ممكناً وحسب، بل وأصبح انتقال السلاح والخبرات التنظيمية والعسكرية، والأموال، ممكناً أيضاً. وفي حالات بعينها، كما في ليبيا واليمن نشأت معسكرات للتدريب. ونشأت معسكرات كهذه بعد انهيار قبضة الدولة السورية في مناطق سورية مختلفة، وكذلك الأمر في العراق منذ سقوط صدّام حتى اليوم.
وقد حدث هذا كله في ظل اكتمال «بنية تحتية جهادية» عابرة للحدود والقوميات على مدار العقد الممتد من سقوط «طالبان» في 2001، وحتى بداية الربيع العربي في العام 2011. ففي هذه الحقبة نشأت شبكات جوّالة، وخلايا إقليمية ودولية، مالية وأيديولوجية، وسياسية، وتنظيمية، تضم أنماطاً من البشر الباحثين عن أرض للقتال. وكانت وسيلتهم، وما تزال، النفاذ من المسامات الضيقة بين الطوائف والمذاهب في هذا البلد أو ذاك، ومحاولة التمركز في مناطق قبلية وصحراوية (كما هو الشأن في سيناء) استعداداً لتقويض السلطة المركزية، وتمهيداً للزحف على المدن.
كما حدث هذا كله في ظل تحوّلات على الأرض، راديكالية وغير مسبوقة، حرّضت قوى مختلفة على محاولة سد ما نجم من فراغ للقوة، وانهيار للنظام الإقليمي، ولم تتورع قوى مثل تركيا وإيران والسعودية، لأسباب متعددة، عن محاولة الاستفادة من الشبكات الجوّالة، والعلاقات العابرة للحدود والقوميات. أميركا، بدورها، القوّة المهيمنة في العالم العربي منذ الحرب العالمية الثانية لم تجد غضاضة في الاستفادة من «المعتدلين» ضد «المتطرفين».
وقد كانت تلك لحظة الإخوان والسلفيين الذهبية. فلم يسبق أن كانت الرياح مواتية، كما حدث في العقد المذكور، والسنوات القليلة التي تلته. ولكن الرد الأهم، والتحوّل الاستراتيجي في الشرق الأوسط برمته جاء من مصر، التي تمكنت من إسقاط حكم الإخوان، وأصبحت في عين العاصفة.
ومع ذلك، فلنعد إلى موضوع «الجزيرة». اللافت للنظر أن القناة المذكورة بثت الشريط المصوّر للهجوم على مراكز أمنية مصرية في شمال سيناء لحظة وقوعه تقريباً. كيف حصلت على الشريط، وما هي العلاقة التي تربطها بمنفذي الهجوم، وما مصلحتها في تقديم دعاية مجانية كهذه؟ هل يندرج الأمر في باب السبق الصحافي، أم في باب الدعاية للإرهاب؟.
أسئلة مشروعة وجوابها أن العمل الإرهابي دعائي في الجوهر. فلا يملك الإرهابيون قوّة نيران تساوي ما لدى الدولة، ولكنهم يحاولون تقويضها عن طريق زعزعة ثقة مواطنيها في قدرتها على حمايتهم، وبث الرعب في قلوبهم. وهذا لا يتحقق من دون الدليل والبرهان. وهل من دليل وبرهان أكثر كفاءة من نقل حي للهجوم نفسه، وما يرافقه من تهليل وتكبير؟.
ولنسأل مرّة أخرى: وهل يمكن لقناة فضائية أن تهدد دولة؟
الجواب: لا، ولكن انخراط هذا المنبر الإعلامي أو ذاك في مشروع لتقويض دولة بعينها يضفي على دوره خطورة يصعب تجاهلها. لا ينبغي نشر وترويج أشرطة كهذه. وقد ذهب هؤلاء أبعد مما يجب. هذا لن يتجاهله المصريون، على الأرجح، ولن يتسامحوا معه.

*ينشر بالاتفاق مع صحيفة الأيام الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة