صَمتَ الراعي فنطقت الصورة السينمائية

بشار كاظم

شكلّت عروض فعاليات أيام السينما العراقية لأفلام وزارة الثقافة التي أنجزت ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام 2013 صدمة لمتابعيها. فبعد انتظار طال لأكثر من عام جاءت أغلبية الأفلام دون المستوى المطلوب، من حيث افتقارها لأبسط مقومات الفيلم السينمائي فنياً وانتاجياً، بالرغم من المبالغ المهولة المصروفة التي كان من الممكن أن تشكل مرحلة بناء جديدة لصناعة سينما عراقية يفتقر اليها مشهدنا الفني و الثقافي، إزاء هذه الخيبة التي عاشها متابعو هذه العروض جاء فيلم “صمت الراعي” سيناريو واخراج رعد مشتت في أول تجاربه السينمائية ليرفد صنّاع ومحبي الفن السابع أملاً بأمكانية تحقيق انطلاقة سينمائية حقيقية وجادة.
تدور أحداث الفيلم في احدى القرى العراقية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي حيث تختفي زهرة ذات الثلاثة عشر عاماً من قريتها بعد أن خرجت لجلب الماء من النهر، ويؤثر اختفاء زهرة على كل أهالي القرية ابتداءً من أفراد عائلتها وعائلة الراعي صابر الذي شهد على مجزرة قام بها أفراد الجيش ضد المدنيين وعلى عائلة أخرى تحوم حولها الشبهات في عملية الاختطاف، وتسرد قصص هذه العائلات بشكل متوازٍ طوال مدة الفيلم حتى تصطدم وتتداخل عند النهاية لتكشف لنا عن حقيقة اجتماعية تجسدت في مصائر شخصيات العمل. يبين لنا رعد مشتت عبر الفيلم القسوة التي تفرض على الفرد من قبل سلطات متعددة منها السلطة السياسية وسلطة الأعراف والتقاليد الاجتماعية، إذ أن الفرد هنا هو رهينة للخوف والصمت اللذين يمسخانه إلى كائن مهزوم وعديم الإرادة، وتنعكس تأثيرات هذه القسوة على العلاقات والترابط بين أفراد هذا المجتمع بصورة عامة أو المجتمع بأصغر أشكاله والمتمثل بالعائلة، وهذا ما نتلمسه في عدة تفصيلات في سيناريو العمل، ومنها مثال الفتور الذي يصيب علاقة شخصية الراعي صابر مع زوجته. وجاء الاختيار الذكي والمتقن لبيئة الريف القاسية كوسط تجري فيه أحداث العمل ليتوج ويعزز من قيمة طرح المخرج.
مايميز سيناريو “صمت الراعي” عن أغلب التجارب السينمائية العراقية هو تعامله المميز مع تأثيرات السياسة على الشخصية الدرامية وبصورة مدروسة. إن الجانب السياسي في هذا العمل هو خط يشترك مع خطوط متعددة أخرى داخل البناء الكلي للسيناريو، وهو بذلك كسر للتعامل الدرامي المباشر مع القضايا السياسية والذي يكاد أن يكون سمة للفيلم العراقي منذ بداياته.
وعلى صعيد الصورة فقد قدم الفيلم اشتغالاً جمالياً مميزاً تم من خلال استثمار جماليات بيئة الريف في المشاهد الخارجية والداخلية، إضافة إلى جماليات اللون والضوء الموجودة في أغلب مشاهد العمل، كما اشتركت الصورة أيضاً بدور سردي فعّال استطاع المخرج من خلاله أن يربط بين شخصيات العمل بصورة مرمّزة، وهذه نتيجة رؤية مشتركة بين رعد مشتت ومدير التصوير زياد تركي الذي تميز سابقاً في فيلم “غير صالح” للمخرج عدي رشيد. وقد يكون المونتاج هو النقطة الأضعف في بناء العمل والذي شكل نوعاً من عدم التوازن في ايقاع الفيلم في البعض من المشاهد والانتقالات غير أن تأثيره لم يكن بالكبير على النتيجة الأخيرة.
وعلى صعيد التمثيل، قدم العمل وجوهاً قديمة وجديدة استطاعوا بمساعدة المخرج الوصول إلى خصوصية الأداء السينمائي بدرجات متفاوتة، حيث أسهم فيه (محمود أبو العباس، وسمر قحطان، وإنعام عبد المجيد، وآلاء نجم، ومرتضى حبيب) وغيرهم من الممثلين. في المحصلة النهائية فيلم “صمت الراعي” هو خطوة لإعادة الثقة في صناعة السينما العراقية وأساس يمكن الانطلاق منه إلى أعمال مقبلة تحقق مرحلة سينمائية حقيقية منشودة منذ أمدٍ طويل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة