بعث المومياءات

بعد أكثر من نصف قرن من ظهور حزب الدمار الشامل (البعث) ورسالته الخالدة في بعث الامة الواحدة، انجلى الموقف عن مشهد لا مثيل له من حيث حجم الخراب والدمار الذي خلفته تجربة هذا الحزب في بلدين كانا من أكثر بلدان المنطقة حيوية وتطلعاً للتقدم والازدهار هما سوريا والعراق. في هذا البلد القديم الذي طوب قبل أكثر من 1400 عام باسم (بستان قريش) وانتقلت ملكيته قبل نصف قرن الى فرع ذلك الحزب المنحدر الينا من لواء الاسكندرون الذي سلخته تركيا عن الوطن الام سورية، افرغ ذلك الحزب كل مافي جعبته من شعارات ديماغوجية وممارسات وحشية لانتاج أجيال من البشر لا حول لها ولا قوة الا ترديد ما يقوله ذلك المخلوق الخرافي والذي انتشل في نهاية المطاف من حفرته الأخيرة بنحو مزرٍٍٍ.
ان خطورة هذا الحزب (البعث) لا تنحصر في المدة التي يقضيها في الحكم وحسب، بل في المخلفات التي يتركها وراءه بعد ان يفقد السلطة، وهذا ماعرفه العالم أجمع عن حال عراق مابعد العصر الزيتوني. لقد نجح ذلك الحزب في بعث شيئ واحد فقط الا وهو:
مومياءات الثارات السالفة. فلم يمر وقت طويل على سقوط مارشال الاصنام في ساحة الفردوس، حتى برزت الى الساحة مجاميع وتنظيمات وكتائب وفيالق تدعو الى احياء تلك المشاريع التي انقرضت قبل قرون. وفي موطن البعث الاصلي سورية لم يختلف الأمر كثيراً، فقد نجح النظام وبمساعدة من بعض القوى المتطرفة العاملة في صفوف المعارضة السورية والمدعومة من خلف الحدود؛ من تأجيج روح التشرذم هذه، ومن ثم دفع الصراع المحتدم الى مسارات لا تحمد عقباها.
ان نظام البعث الاخير في سورية سيلتحق لا محالة بالمصير الذي آل اليه فرعه في العراق، غير انه سيترك سكان ذلك البلد الجميل وكما تشير اليه المعطيات المؤلمة والتي تنقلها وسائل الاعلام، وغير القليل منها على وفق قياساتها العابرة للمصلحة الوطنية، يهرولون الى أمد غير محدود خلف رايات القوافل الغابرة. ان منهج القهر والقمع الشامل الذي استهدف الروح الحية في كلا البلدين (سورية والعراق) ترك الطريق مشرعاً أمام تلك القوى التي عملت بصمت ودهاء على مشروع استنساخ المآثر الزائفة. لكن وبرغم الهدر والاستنزاف المادي والمعنوي، لابد من وثبة اخرى تعيد هذه المومياءات الى متاحف التاريخ..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة