التشكيل العراقي وأزمة الحداثة

مازن المعموري

مع إطلالة كل عام جديد، تحتفي جمعية التشكيليين العراقيين بمعرضها السنوي لتؤشر تحديثات المشهد التشكيلي بكل ما يحمل من خصوصية وتفرد، عرف بهما التشكيل العراقي على مدى أكثر من سبعين سنة من حركة الفن العراقي المعاصر، أي منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الآن، وهو الأمر الذي وضع المسؤولية مضاعفة على كاهل جمعية التشكيليين برئاسة الفنان قاسم سبتي، بصفتها الجمعية الأهم منذ تأسيسها، ومازالت تقدم عبر نشاطاتها الكثير من العروض المهمة في مجال الجماليات البصرية، فكان معرضها الشامل الأخير المقام على قاعة الجمعية في 17/1/2015 في بغداد، فرصة لالقاء الضوء على مستجدات الحركة الفنية المعاصرة بجميع تفاصيلها.

هيمنة الرسم
شكّل الحضور الفني في العرض تنوعاً خجولاً في استحداث مسارات جديدة للعمل الفني، إذ أسهم (96) ستة وتسعون رساماً و(48) ثمانية وأربعون نحاتاً و(10) عشرة خزافين، ومن الطبيعي ملاحظة هيمنة الرسم على الفن العراقي بشكل عام، وذلك لسبب جوهري رسّخه الرواد الذين قدموا أهم تجاربهم الفنية في الرسم من دون الفنون الأخرى بدءاً بفائق حسن وحتى ضياء العزاوي، والحقيقة فان العرض الأخير ينمّ عن اشكالية تخص نمطية العروض، فقد بدا العرض بلوحة للفنان وليد نصر الله وهو عمل مدرسي لا يرقى الى مستوى المعرض السنوي للجمعية، وأيضاً الفنان خليف محمود الذي قدم عملاً متواضعاً جداً في أدائه وتكنيكه لدرجة انه لا يتجاوز حدود الحرفيات التجارية، كما ان بعض الأعمال المعروضة بقيت في حدود المرحلة الخمسينية والستينية من القرن الماضي ولم تتجاوز مظاهر التزيين والزخرفة الشكلية مثل كل من (زينة الأسدي/ رنا الطائي/ إياد الزبيدي/ عشتار جميل حمودي/ سوسن عبد الحميد/ محمد حاتم/ علي الطائي/ مطيع الجميلي/ محسن الشمري/ قصي الخزعلي/ حيدر صباح/ حمد الشاوي/ فردوس إسماعيل/ مهدي الأسدي/ قاسم محسن/ سوسن النواب/ ستار لقمان/ محمد شوقي).
تنفلت من اسار النمطية بعض التجارب التي تؤشر حضور الوعي لدى الفنان وهو يعمل على فحص مسيرته باستمرار، ومنها عمل الفنان محمد الكناني الذي وضعنا أمام عمل تجريبي بامتياز بعنوان (يوم للحرب يوم للسلام) وبواجهتين يستطيع المشاهد الدوران حولهما كما ان العمل ذاته مرتكز بمحور قابل لدوران بوجهي العمل، حيث يشكل الوجه الأول يوم للحرب وهو غامق اللون في حين نرى الوجه الثاني يوم للسلام أبيض اللون، مستعملاً مواد مختلفة في تقنياته وأسلوب تعامله مع تراكمات السطح التصويري وبروز بعض الدلالات التعبيرية باستعمال مواد واقعية ولقى ملصوقة بارزة أو محفورة بما يسهم في تصاعد سطوحه، وفي أعلى العمل مستطيل من الزجاج مكتوب عليه باللغة الانجليزية (Day of War) للوجه الأسود مع بعض الإشارات لأهداف ومواقع بشكل رمزي على سطح زجاجي مستطيل في أعلى حافة العمل من الوسط، في حين نرى على الوجه الأبيض وعلى واجهة زجاجية أخرى (Day of Peace) مع كتابات وأسماء مختلفة، وهذا العمل يضعنا أمام فنان لا ينحاز الى النمط، مثلما حدث مع الكثير من الأسماء التي لها حضور فاعل في المشهد التشكيلي العراقي منذ الستينيات والسبعينيات وحتى الآن، كما يتميز عمل الفنان بلاسم محمد بتكنيك عال يؤكد قدرة هذا الفنان على الانتقال من منطقة إلى منطقة أخرى من دون خوف أو تمسك بنمط فني معين، فاستعماله لرمزية الغراب جاءت بشكل مختلف عن أعماله السابقة على مستوى الأداء والتعامل مع التكوين العام بما يشف عن خبرة ووعي بإدارة السطح التصويري، في حين يأتي عمل الفنان صلاح هادي ليرسم المكان كذات تتحدث بلغة الاشياء وما تبقى من أثر حي للولوج الى بلاغة الرؤية الفنية في عمل مختلف تماما عن سياقات الآخرين.

نمطية أسلوبية
والحقيقة فان فناني الأجيال السابقة بقوا في حدود نمطيتهم الأسلوبية برغم تاريخهم الطويل في الفن التشكيلي العراقي مثل عمل كل من (ضياء الخزاعي، أمين عباس، موسى عباس، فاخر محمد، عاصم عبد الأمير، قاسم سبتي، حيدر خالد، فهمي القيسي، سعد الطائي، ستار لقمان، شداد عبد القهار، سالم الدباغ)، في حين كنا ننتظر منهم الكثير على مستوى الأسلوب والتقنية والرؤية، خاصة بعد التراكم الكبير في الخبرة والثقافة والاتصال بالعالم ومستجدات الفن المعاصر، وهذا الأمر يشكل مسؤولية اكبر بالنسبة لأسماء لها حضورها الفاعل في التشكيل العراقي، بل انه يضعهم على طاولة المراجعة النقدية القاسية، اذ لا مبرر لتوقفهم سوى زوال قلقهم الابداعي واستقرار طموحاتهم عند حدود الممكن، وربما انفصالهم عن واقع متفجر بآلام الموت والتهجير واختلال منظومة القيم الاجتماعية وضياع أجيال بكاملها في أتون الحرب.
مع كل ذلك نجد ان هناك مجموعة من الفنانين قد وضعوا بصمتهم بشكل أكثر وضوحاً لتحريك المشهد البطيء على مستوى التجريب والتفكير في مناطق غير مأهولة على مستوى السطح التصويري برغم بقائها في حيز التوظيف المتعارف عليه لفعالية الرسم على القماش، الا ان تجارب كل من (عماد عاشور، نذير مسلم، وضاح مهدي، يسرى العبادي، محمد مسير، جبار الجنابي، هادي ماهود، ماجد هاشم، نبراس هاشم، حليم قاسم، جعفر محمد خضر، محمود شبر، علي شاكر نعمة، أحمد نصيف، تحسين الزيدي، مؤيد محسن، زياد جسام)، تحاول أن تلمس مهاداً للتعامل مع الأفكار أكثر من امساك اشتغال مغاير أو إجتراح مجال للرؤية الجمالية في الفن المعاصر، وهـو ما يمنحنا فرصة للفحص والقراءة وليس الحكم.
ما يفتح باباً للأمل في المعرض الأخير هو فن النحت والسيراميك، حيث قدم الفنان عقيل خريف عملاً مهماً ينطوي على حساسية مفرطة في عمقها الفكري والتقني أمام تعقيد الواقع وملابسات الوجود الانساني الذي يضعنا على حافة الأشياء وهي تعيد لنا مرموزات المفتاح في جسد تجريدي محض، بل سأذهب أبعد من ذلك لأقول انه الخوض فيما بعد الشكل وما وراء الفكرة، فالعلامة تبدأ ولا تنتهي عند حدود التأويل، لدرجة انك تشعر ان كل شيء محسوب جيداً قبل لصق الأشياء ولحمها مـع بعضهـا البعـض.
تهيمن على بعض الأعمال النحتية المتميزة ثيمة الرأس والجسد البشري، فقد استعمل الفنان رضا فرحان كتلة من البرونز معروضة على قطعة من الجنفاص، كما يبرز عمل الفنان هيثم حسن البرونزي كواحد من الأعمال المتميزة في استعمال الجسد بصفته مجالاً للرؤية تتجاوز حدود التقليد، في حين نرى عمل وليد البدري أكثر جزالة في الشكل وانسيابية الحركة في عمله النحتي المكون من قرص حديدي وقرون من الستيل ليشكل رأس ثور، اما الفنان حيدر سالم فقد خلق لنا كابوساً أنتجه الواقع وشكلته مخيلة سريالي مفعم بالدهشة والخبرة في ترحيل علاماته الأسطورية من شكل البيضة المكسورة الى ولادة كائن مسخ متشح بالخوف والهلع منذ البداية، كما قدم لنا الفنان علي رسن طبقة بيض وفيها ثلاث بيضات مكسورة، وهنا نكون على عتبات فكرة الفساد وفكرة السيطرة الصناعية للحياة الوهمية للطبيعة، وفي رأيي الشخصي فان هذا العمل اختراق للنسق التقليدي في النحت العراقي منذ فتاح الترك وحتى الآن، فنحن أمام فكرة أكثر منها عملاً نحتياً، في حين نجد الفنان علاء الضيف يسجل لحظة الموت وقطع الرأس في عمل درامي سرعان ما يدفع بنا الى أحداث دموية لا تمحى، كرستها الحرب وشغلت تجاويفها الذاكرة الجمعية.
هل ينبغي لي بعد هذه الاطلالة السريعة على معرض جمعية التشكيليين أن أتساءل عن جدوى العرض بعيداً عن جمهور لا يتجاوز الفنانين المشاركين والمهتمين من الوسط الفني وبعض المتابعين؟ وهل يمكن فصل أزمة الروح التجريبية للفن عن أزمة الواقع العراقي وجودياً؟، بما هي أزمة حداثة تتوقف لحظة من الزمن وأزمة مؤسسات دولة ومجتمع يشرف على الموت، حيث لم يعد أي شيء مهماً بعد أن فقدت الحياة جذوة شعلتها وبهائها المعهود في العاصمة بغداد، هل ينبغي لي أن أؤمن بان الفن لصيق بحركة أي ورقة في الهواء بعد أن ادركت ان كل ما فعله الفنانون لم يعد صالحاً للاستعمال أمام طفل يبكي جوعاً أو يشرف على الموت عطشاً على كتف صخرة في جبال سنجار.

عزلة بين الأروقة
أريد أن أتحدث عن الشفقة التي تتلبسني وأنا أمارس دور المتفرج على أشياء مهمة، طالما سهرت لأجلها وصرفت سنوات طويلة من الجهد لفهمها وممارستها، وهي تعاني من العزلة بين أروقة قاعات وبياض جدران، من دون أن تجد لها ما يبرر وجودها وهي مازالت متمسكة بتقاليد جمالية أسسها لنا الستينيون وهيمنت على ترسانة النتاج التعبيري للرسم العراقي حتى الآن، بما يشبه الغواية في الاصرار على البقاء في النقطة ذاتها، وكأن الزمن قد توقف عن حدود العالم القديم.
لابد لنا من الاعتراف بان النقد الفني فقد حضوره أيضاً، واستبدل بالمتابعات الصحافية التي تكتفي بالمسح السريع والسطحي للحدث من دون التعمق في التفاصيل، كما ان المؤسسات الفنية لم تعد هي الأخرى بحاجة الى وجع الرأس في متابعة تطورات الفن العراقي، وصرف الأموال من أجل دعم البنى التحتية وبناء المتاحف والقاعات واقامة المهرجانات العالمية للتواصل الثقافي والفني، خاصة وان أغلب الفنانين العراقيين هاجروا الى الغرب بعد أن فقدوا الأمل بحياة أفضل في العراق، ولكن مع كل ذلك اليأس المفرط أشعر ان هناك ناراً متوهجة تحت الرماد تنتظر الوقت المناسب لفضّ الرماد في آخـر المطـاف.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة