مقاربة أسئلة الثقافة العراقية

سلام مكي

يحاول كتاب أسئلة الثقافة العراقية للكاتب والناقد علي حسن الفواز والصادر عن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية العام 2013، الإجابة عن جملة من الأسئلة المركزية أو طرحها لتكون جاهزة للمتناول السوسيوثقافي. أسئلة الثقافة العراقية، هي المفتتح لطرح إشكاليات الثقافة العراقية، وتناول القضايا والأزمات التي أنتجتها المخيلة المعاقة ذهنياً وفكرياً، عبر تشكيلها لمنظومات معرفية مأزومة وخلقها لبنى فوقية قلقة، مهمتها تنميط الوعي العام، واعادة انتاج ثقافة تأسيسية بديلة عن ثقافته ووعيه العام. ولا شك إن الوسيلة الأنجع لتحقيق تلك الأهداف هو المثقف، فمن خلاله تتمكن السلطة من تحقيق مآربها، لكونه يملك أدوات الهيمنة. يحاول الكتاب تعرية تلك الوسائل والتنبيه الى فداحتها عبر تناوله للعديد من القضايا والمحاور التي تتصدر اشكاليات الثقافة والمثقف في العراق.

علاقة السياسي بالثقافي
يثير الفصل الأول من الكتاب، إشكالية العلاقة بين المثقف والسياسي، إذ يعدّها المثار الأول لإنتاج إشكاليات أخرى أكثر فداحة. هذه الثنائية غير المنضبطة بتعبير الفواز نفسه، تحولت إلى حاضنة وبيئة لتفريخ المشكلات اضافة الى خلق وسائل تمنع من طرحها على الوسط الثقافي والاجتماعي، والعمل على إدامة أزمتها البنيوية في سبيل خلق مزيد من الإشكاليات التي يعدّها البعض الوسيلة الأكثر فاعلية في تكريس خطاب الهيمنة الذي يمثلونه. فمن سبب الانفلات في هذه العلاقة؟ السياسي أم الثقافي؟ من تسبب في جعل العلاقة بين الحاكم والمحكوم شوهاء ومحكومة على الأغلب بالعنف والإخضاع؟ إذا علمنا ان الحاكم هو السياسي والمحكوم هو الثقافي، ومن يملك أدوات التسلط والقوة هو السياسي، وان العلاقة أساساً بينهما هي علاقة غير متكافئة القوى، وان ميدان أحدهما يختلف كلياً عن ميدان الآخر، بكون ان ميدان السياسي يمثل قمة الهرم، في حين الثقافي يحتل القاعدة في أحيان كثيرة. ثم تساءل الكاتب عن امكانية فقدان السياسي التقليدي لصورته القديمة، تلك الصورة التي تمثلت بإبرازه للدولة على انها القوة المتعالية وصاحبة الصوت الأقوى والأوحد، أم ستكون صورة شوهاء ومجردة للقوة المفرطة للجماعات على حساب الدولة؟ أسئلة مهمة، تحاول تشخيص الاشكالية الكبرى للتجربة السياسية العراقية بصورة غير مباشرة، عبر نقدها لتوجه القوى الرئيسة في السلطة والايديولوجيات المهيمنة على العقل السياسي العراقي. هذا العقل الذي غيّب مفهوم الدولة تماماً من اهتماماته، وجعل من الفروع الثانوية بديلاً عنها، كالطائفة أو المذهب أو حتى المنطقة. هذا التوجه للأحزاب، أسهم في تغييب الصورة القديمة للسياسي الذي يرفع شعارات الدولة والأمة وينطلق من ثوابت شمولية تحاول اخضاع الجميع تحت سلطتها، في وقت يكتفي سياسي اليوم، بطائفته ومدينته، كمساحة لممارسة هيمنته الثقافية والفكرية عليه. طريقة الطرح التي تناولها الكتاب، تكاد تختلف كلياً عن المحاولات السابقة، عبر مزجها بين الثقافي والسياسي وابرازها للمشكلة بصورة أعمق وأكثر جرأة من الأطروحات السابقة التي كانت سياسية بحتة، في وقت لابد من اشراك الثقافي معها، لكونها مسألة ثقافية قبل أن تكون سياسية. الكاتب وصف السياسي التقليدي بأنه فاقد للشرعية القانونية والدستورية لأنه جاء عبر بوابة الانقلابات العسكرية والسياسية.

صناعة الثقافة
تحت هذا العنوان، يتحدث الكتاب عن المثقف ووضعه العام وعلاقته بالمؤسسة الرسمية وموقفه من طرح الأسئلة الكبرى التي من شأنها خلق جو ثقافي عام، يمكنه أن يشكل نواة حقيقية للثقافة. مما يعني إن الكاتب يرى في المثقف بوصفه فرداً وحده المعني بصناعة الثقافة، وليس المؤسسة الرسمية ولا الوعي الجمعي. ويعود للحديث عن علاقة المثقف بالمؤسسة الرسمية التي يصفها بالحاكمية، إذ يرى إنها علاقة إخضاع وأزمة. هذه العلاقة أفرزت جملة من الإشكاليات التي عصفت بمسيرة المثقف العراقي، فهو أما يكون كائناً انعزالياً، انطوائياً، يعيش على الهامش، أو يكون تابعاً أيديولوجياً، ومؤسساتياً، يمارس وظيفة قد تتقاطع الى حد كبير مع وظيفته الحقيقية. ويمكننا القول: ان صناعة الثقافة، لا يمكنها أن تتحقق، مادامت العلاقة بين السياسي والمثقف علاقة شوهاء، ومأزومة.

نحو قراءة مغايرة
الفصل الثاني يضم قراءات لمنجزات عدد من المثقفين العراقيين، أمثال حيدر سعيد ولؤي حمزة عباس ومحمد خضير وياسين النصير ومحمد غازي الأخرس وفاطمة المحسن. يحاول الكاتب من خلال تناوله لمؤلفات الكتاب أعلاه تأسيس نمط جديد من القراءة يركز جوانب معينة من دون غيرها، بلغة موضوعية، بعيدة عن المحاباة. فهو قرأ حيدر سعيد على انه يرى في الحرية وجوداً، يستوجب إعادة تأهيل بتفكيك التاريخ الرمزي للغة والأيديولوجيا والمقدس. اطلاق هذا الوصف على حيدر سعيد ومشروعه الثقافي، يأتي عبر قراءة الفواز للمشروع الثقافي للجيل الذي ينتمي سعيد إليه، قراءة مغايرة تنقب في النص وتفسر دلالاته ومعطياته على وفق الذهنية المتخيلة للكاتب. وكذلك قراءته لكتاب محمد الأخرس “خريف المثقف” التي استشف منها مجموعة من الأسئلة التي تلامس العاصفة والتحولات التي تشهدها الساحة السياسية والثقافية في العراق.

جماعة النقد العراقي الجديد
يرى الفواز إن ظاهرة الجماعة الجديدة في النقد العراقي هي الظاهرة الأقرب إلى منطقة اشتغالات النقد الثقافي، وهذا متأتٍ حسب رأيه من تأثرهم بفوكو ومشروعه النقدي الذي ينظر إلى النص بوصفه مفهوماً وتمظهراً للخطاب. ويذكر من هؤلاء النقاد أسماء على سبيل المثال، مثل عبد الله ابراهيم وسعيد الغانمي وعواد علي. هذا التوجه النقدي، جعلنا نتساءل: هل يمكن للنقد العراقي انتاج منظومة نقدية خاصة به، يمكنها تجاوز الأطر النقدية للمناهج السياقية والنصية وغيرها؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة