الأخبار العاجلة

بسّام حجار..القصيدة لاتشبه الحياة تماماً

قراءة شاعر مثل الراحل بسّام حجّار تترك أثراً جارحاً في المزاج الشعري، وربما مايشبه الاستفزاز قليلاً، فهو شاعر يكتب دائماً ( مشاغل رجل هادئ)، إذ يمنح اللغة الكثير من حرائقه الشخصية من دون ضجيج أو لافتات.
نصه مسكون بالحميمية، وبالاستعارة اليومية التي تصل سريعاً، حتى تبدو لغته وكأنها محاولة للاحتيال على العالم الخارجي، أو ربما تمرير الكثير من الشجن الأنيق الى الآخرين، إذ تتلبس القصيدة وجع روحه القديم، الوجع الذي لاتتحمله الاّ اللغة اليومية بمشاغلها وتفاصيلها..
الكتابة عن بسّام حجّار استعادة للمتعة، وللذة أن يكون فعل الكتابة بحثاً عما تحت قميص نوم القصيدة من شبق سري، أو غواية، أو حتى شقوق تركتها خربشات كائن عابر، ترك مجازاته على رصيفها وذهب من دون أثر.
الولع بالقصيدة التي يكتبها هو نظير للولع بالحياة، وبرغم قسوة الحياة معه ومع أوجاعه الممضة، ظل يبتكر الكثير من الطرق، وحتى الأوهام ليدسّ نفسه فيها، مغنياً، أو صانعاً للسعادات، أو مغامراً، أو ساخراً.. المهم أن العالم عنده يتحول إلى استعارة كبرى للمزاج أو للبوح، ولمحبة الآخرين الذين يعرفونه من خلال القصيدة، تلك التي قد تشبه نافذة للمنزل أو للحياة أو للهواء أو حتى للهرب الاضطراري.
«لا أبالي بي/ إن بقيت حيّاً/ لأيام/ لأعوام أخرى..».
قد تحمل قصيدة بسّام حجار إحساساً عميقاً بان الشاعر يناور عبر الشعر، لكن التوغل العميق في حمولات تلك القصيدة تشي بأعراض قريبة من التطهير الشعري، إذ لا يملك الشاعر سوى أن يكون بريختياً لكي يدفع القارئ الى فرجة التطهير، والتلذذ بمشاطرته العذاب والوجع والحزن، وربما اقتراح نوع من الخلاص الذي يلامس عواء الجسد المباح للعل.
قرأت له كثيراً، وتيقنت من حيوية حضوره المضاد في مشهد شعري صاخب بلاعبي السيرك، ومشعلي الحرائق و(راكبي الدرجات)، إذ جعلته هذه الضدية بعيداً عن الحلبة، وعن الطاولة، لكنه قريب من الروح ومن اللغة، ومن سرائر الكتابة.
هذه الوظيفة المضادة ليست سهلة، ولعل سرّ صعوبتها يكمن في صناعة النص المضاد، وفي تعرية الآخرين من قمصان خطاياهم، و من أوهامهم التي يصطخبون بها في يوميات المدينة/ الأنثى، تلك التي تجاور القصيدة مثل مجاورة البحر وأقواس الروشة دائماً..
لا أعرف لماذا استعدت بسّام حجار؟ ولماذا أحسست بوحشة الشاعر وعجزه وحزنه أمام قسوة الحياة؟
لا توجد إجابة جاهزة لهذه الأسئلة، لكني وجدت نفسي أمام ذكرى صاحب (تفسير الرخام) مسكوناً بدهشة القصيدة وهي تتلمس لذتها في مناورة الموت، والخوف، والانطلاق في لعبة الشعر الفادحة، بوصفها محاولة في الخلود والبحث عن عشبة جلجامش، أو محاولة في اصطناع البيت الشعري/ اللغوي الذي تحدث عنه هيدغر.
عند موته، ثمة استعادة ضدية أيضاً للحياة، تلك اللعبة التي لا تختلف عن القصيدة، وربما تجعلها أكثر انخداعاً بما تفيض به من معان أو مراث أو هروبات لا حصر لها، أو أخطاء قد نكررها دائماً؛ لأنها أخطاء الجسد اللجوج، والمعطوب، والباحث الأزلي عن الايروس والنياشين والمدائح والخيانات، لكنه برغم ذلك يصطدم بالموت، صانع الغيابات الكبرى، الذي لا خفة فيه، ولا إطمئنان، إذ هو الهدوء الأخير الذي ذهب إليه بسام وحيداً من دون أنثى أو ضحكات أو حقائب أو قمصان.
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة