الى ما تبقى من العقلاء..؟

(العصبيات تقيم دولاً، غير انها لاتستطيع بناء اوطان) محمد أركون
ما يحصل في هذا الوطن من أحداث وكوارث ومحن، في الوقت الذي حققت فيه شعوب ومجتمعات لم تكن تملك ما وهبتنا الاقدار من ثروات وامكانات؛ انتصارات وتحولات لا مثيل لها من الناحية المادية والمعنوية. يضعنا أمام مهمة البحث عن الاسباب الواقعية التي تدفع بكل اشكال الفشل والخيبات لان تتدافع عند اسوار هذا الوطن المنكوب. وهذه هي مهمة من مازال يقبض على كسرة من شجاعة وشيء من العقل والحكمة في مواجهة الاندفاعات الطائشة التي ابتلينا بها بعد الفتح المبين ونهاية حقبة (المنحرفون).
كان من الطبيعي ان نجد عذراً لكل تلك الاندفاعات التي طفحت على سطح مسرح الاحداث بعد 9/4/2003 لاسباب يعرفها الجميع. لكن ان تتحول تلك المشاهد واليافطات الى برنامج عمل يحدد حاضر ومستقبل هذا البلد ومصير سكانه الذين عانوا الامرين من القهر والجهل واربعة عقود من ابشع تجربة شمولية عرفها تاريخهم الحديث، فهذا هو ماجنيناه على انفسنا بايدينا وعبر موروثاتنا القاتلة. ولن تجدي نفعاً طقوسنا في النحيب والعويل والقاء اللوم على الجن والشياطين الصغيرة منها أو الكبيرة في كل هذا النحس العضال الذي يلازمنا منذ أكثر من الف عام وعام. ان ما نواجهه من تحديات وتساؤلات لا تختلف كثيراً عما اشار له عالمنا الجليل الدكتور علي الوردي، والذي حذرنا ببصيرته الثاقبة من عواقب المنظومة القيمية والمعرفية الصدئة والمتخلفة التي نعتمدها بمواجهة سيل التحولات الهائلة التي شهدها العالم الحديث. واليوم وبعد مرور اكثر من عقد على رحيل ذلك النظام الذي فتك بكل مراكز ومصادر القوى الحية في البلد، نشاهد كيف يتم استنزاف ماتبقى من طاقات وثروات في اقتفاء اثر تلك الدروب الخائبة التي خلفها وراءه ذلك النظام المقبور.
ملامح الحقيقة المرة اصبحت واضحة، وهي تعبر عن عجز هذه القوى التي تصدت لمهمة اعادة بناء الوطن، عن انجاز مثل هذا المشروع، لسبب بسيط كونها جميعها لا يعنيها مثل هذا الأمر. وهي بمختلف بيارغها وعصبياتها لا تمثل في احسن الأحوال غير نسخ محسنة لتشكيلات ماقبل (الامة-الدولة) ومن سوء حظنا جميعاً، ان رهانات هذه القوى المهيمنة على المشهد السياسي والشعبي الراهن، ستبقى واثقة ومطمئنة بفعل الاحتياطات الهائلة من الهياج والاحتقان والموزع بشكل متوازن على مختلف مكونات ومتاريس شعوب وقبائل هذا الوطن المنكوب..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة