عجز الموازنة وميزان المدفوعات الخارجية

د.أحمد إبريهي علي*

من المعلوم ان صادرات النفط هي مصدر العملة الأجنبية لتمويل مستوردات العراق من السلع والخدمات للحكومة والقطاع الخاص، ومدفوعات خدمات الدين الخارجي ومستحقات الشركات الأجنبية … والاستثمار في الخارج وسواها. وبعد انخفاض سعر النفط تصبح العملة الأجنبية قيداً على السياسة الاقتصادية . في حين انصرف النقاش في مجلس الوزراء ومجلس النواب بالكامل على مجموع الأنفاق الحكومي وتمويله من دون العناية بالطلب على العملة الأجنبية.
يوم الأربعاء 28 كانون الثاني اصبحت اسعار النفط لأقرب عدد صحيح 43 دولاراً لسلة اوبك و 46 دولاراً لنفط غرب تكساس و50 دولاراً لنفط برنت، والأسعار المستقبلية لشهر كانون الثاني من عام 2016 في سوق نايمكس تحركت إلى 54 دولاراً لغرب تكساس و59 دولاراً لنفط برنت. وقد يتحسن السعر بأسرع مما تبينه تلك المؤشرات، لأن اسعار المستقبل مربوطة بحبل قصير إلى الأسعار الفورية تحركهما العوامل ذاتها. ويتعلق الأمر بمدى استجابة عرض النفط من جميع المصادر والطلب العالمي عليه للنزول الحاد في سعره، وتلك الاستجابة متوقعة لكنها ضئيلة في الأمد القصير. لكون قرار الإنتاج من الطاقات القائمة حالياً يعتمد على الكلفة التشغيلية وهي أقل من السعر الحالي حتى في أغلب حقول الإنتاج غير التقليدي. اما الكلفة الكلية للبرميل والتي تشمل إضافة الى التشغيل نفقات الاستكشاف والتطوير وما إليها، اي راس المال الثابت، فهذه تحكم قرارات الاستثمار لتأسيس طاقات إنتاجية جديدة. والطلب أيضا استجابته تدريجية لتغير السعر وتوجد دلائل على ازدياده في قطاع النقل خصوصاً. والخلاصة ان المرونات السعرية للنفط واطئة جداً للعرض والطلب في المدد الزمنية للموازنات المالية العامة. ويظهر ان الدخل، المعبر عنه بالناتج المحلي الإجمالي، للعالم هو العامل الأقوى في تحديد الطلب على النفط ومازالت معدلات النمو المتوقعة للدخل العالمي متواضعة وتراجعت قليلا.
وللتذكير فإن متوسط سعر النفط بدولارات 2013 للأعوام 1974- 2013 هو 54 دولاراً لكل المدة أما المتوسطات السنوية فقد تراوحت بين 17 دولاراً و111 دولاراً، والأسعار الأسمية تفاوتت بين 11 و110 دولارات لأقرب عدد صحيح. وهكذا يخبرنا التاريخ القريب ان سعر النفط يتقلب وقد يستمر منخفضا لفترة طويلة كما لاحظناه بين عامي 1986 و 2000. . ولو راجعنا البيانات لوجدنا ان السعر بدولارات عام 2013 لم يرتفع كثيراً بين عامي 1974 و2013 لأن معدل النمو السنوي في الاتجاه العام اقل من نصف الواحد بالمئة، ومن جهة أخرى صادراتنا الآن مازالت ادنى مما هي عليه عام 1980 عندما كان سكان العراق 13 مليون نسمة.
ورب معترض على التحليل المبين آنفاً إذ اغفل خصائص سوق النفط الذي لا يوصف بالمنافسة التامة وهو صحيح من جانب العرض خصوصاً و اقرب إلى سوق احتكار القلة مع تراتبية واضحة في الهيمنة. وعند اتفاق المنتجين يمكنهم خفض العرض وتعديل السعر من دون إبطاء، بيد ان الأمل ضعيف في تعاون من هذا الطراز لأسباب معروفة. وقد نجحت دول الخليج في خفض العرض عام 1973 وأرتفع السعر لكن سوق النفط تغيرت جذرياً بعد تلك الواقعة. وعوضت دول أخرى من منظمة اوبك نقص الصادرات العراقية والإيرانية خلال سنوات الحرب وهدأت السعر وهو مثال آخر على إدارة السوق. وبعد ذلك هوى السعر عام 1986 واستمر منخفضاً وانتكس إلى مستوى بالغ الانخفاض عام 1998 واتفق المنتجون هذه المرة ايضاً على سياسة لتحسين السعر بنجاح محدود . انخفض إنتاج اوبك نسبة إلى مجموع إنتاج العالم من النفط بعد التأميم وصعود الأسعار مطلع السبعينات، وتبنت الدول المتقدمة تدابير جادة لخفض منتظم في كثافة الطاقة عموماً، والنفط خصوصاً، لوحدة الناتج المحلي، وانفقت الكثير على وحدات البحث والتطوير لهذا الغرض ونجحت. ومن المفيد الانتباه إلى تناقص كمية النفط المستهلك في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى جانب زيادة إنتاج النفط من خارج اوبك بما فيها الولايات المتحدة وكندا. ولهذا واسباب اخرى مبينة في محلها لا بد من التكيف على سعر منخفض للنفط وإيرادات محدودة وربما عدم تزايد في متوسط الدخل الحقيقي للفرد من النفط ، كي نسعى بجد نحو مصادر أخرى لاستدامة النمو.
وعلى هذا الأساس لو تمكن العراق من تصدير 3.3 مليون برميل يومياً بسعر 46 دولاراً يكون مجموع إيرادات النفط بالعملة الأجنبية 55 مليار دولار تقريبا. والسؤال المهمل في مناقشات الموازنة كم هو المبلغ الذي تحتاجه الحكومة من العملة الأجنبية لتغطية مستورداتها من السلاح والدواء ومستلزمات التشغيل في دوائرها والبطاقة التموينية وسواها، واستحقاقات شركات النفط الأجنبية وشركات اخرى تعاقدت معها، ومدفوعات الدين الخارجي وغيرها. لا بد من بيان هذا المبلغ بعد محاولة ضغطه قدر الإمكان. وعلى سبيل الفرض ان الحكومة تحتاج 35 مليار دولار لجميع الأغراض المذكورة آنفا فهذا يعني ان 20 مليار دولار فقط متاحة من المورد النفطي لمواجهة طلب القطاع الخاص على العملة الأجنبية، وهو اكبر بكثير. الفرق بين طلب القطاع الخاص على العملة الأجنبية وما تبيعه وزارة المالية إلى البنك المركزي سوف يغطى من الاحتياطيات الدولية أي تستنزف بمقدار الفرق. إن طلب القطاع الخاص على العملة الجنبية يتناسب طرديا مع الطلب الكلي على مجموع السلع والخدمات. ومن المعلوم ان الأنفاق الحكومي في العراق هو الرافعة الأساسية للطلب الكلي إضافة على فعل الإقراض المصرفي وعوامل اخرى اقل اهمية. وهكذا يصبح من الضروري جدا أن تبين وزارتا المالية والتخطيط كم تحتاج الحكومة من العملة الأجنبية ومقدار الفائض الذي يتجه للقطاع الخاص عبر نافذة البنك المركزي. وان يستحضر التقدير لطلب القطاع الخاص على العملة الأجنبية لمعرفة العبء الذي سيقع على الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي. ومن الأفضل قطعاً مناقشة هذه الموازين لعامي 2015 و2016 .
وقبل مناقشة هدف الأنفاق الحكومي والضغط لزيادة الإقراض المصرفي والمصادر الأخرى التي ترفع الطلب الكلي علينا الانتباه إلى مجموع الطلب على العملة الأجنبية ومقارنته بالرقم المذكور آنفا( 55 مليار دولار)، ومقارنة عجز ميزان المدفوعات بقدرة الاحتياطيات الدولية لسده. هناك طرق للحساب ليست معقدة، ثم لماذا هذا الإصرار على عدم إدراج موازين العملة الأجنبية إلى جانب الميزان النقدي للموازنة في الوثائق المرفوعة لمجلسي الوزراء والنواب.
المسألة ليست فيما إذا تتوافر او لا تتوافر مصادر تمويل داخلية لزيادة الأنفاق الحكومي إنما يوجد ميزان آخر يسمى ميزان المدفوعات. وفي هذا السياق وبرغم كثرة الكلام عن الاستثمار الأجنبي يهمل الاستثمار الأجنبي بصفته مصدرا للعملة الأجنبية وأين ذهبت هذه عندما دخلت العراق وفي أي المصارف اودعت و كيف جرى التصرف بها. المقصود ليس إعداد جداول إحصائية فهذه لا تقرأ بعناية عادة إنما النظام الاقتصادي والتدفقات الداخلة والخارجة ومقدار ما تقتطعه الموازنة من عملة اجنبية وما يتاح للاقتصاد منها ومن مصادر أخرى.
عندما ترتفع إيرادات النفط تختفي مشكلة ميزان المدفوعات فنراقب حجم الأنفاق الحكومي لعدم تجاوز حدود قدرة الاقتصاد على الاستيعاب ونتحاشى توليد ضغوط تضخمية. اما عند انخفاض مورد النفط نعتني بقيد من نوع آخر على الأنفاق الحكومي الا وهو ميزان المدفوعات وإلى جانبه الخوف من تقليص الأنفاق الحكومي إلى حد ينخفض معه الطلب الكلي الفعال والدخل فتزداد البطالة. الموازنة العامة آلية رئيسة في الإدارة الاقتصادية ولا توجد اسباب وجيهة لإبقاء هذه الآلية قاصرة ومبتورة عن سياقها الاقتصادي الكلي وأبعادها الأخرى.

*نائب محافظ البنك المركزي سابقاً

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة