«سنسل» عاصمة الدواعش وملاذ قيادات التنظيم

«الصباح الجديد» تتجول في القرى بعد تحريرها وترصد آثاراً للمعارك

ديالى ـ خاص:

لم تكن قرى سنسل 48 كم شمال شرق بعقوبة مجرد قرى زراعية تتميز بتضاريسها المعقدة وكثرة بساتينها من الحمضيات والنخيل، بل كانت عاصمة حقيقية لتنظيم داعش في محافظة ديالى كون هذه القرى مأوى وملاذاً لقيادات الخط الاول والثاني من التنظيم وفيها يتمركز اغلب مساعدي ابو بكر البغدادي، اضافة الى انها تميزت بتنظيم مهرجانات الدم التي دأب مسلحو داعش على القيام بها بين فترة واخرى من خلال تعذيب وتقطيع اوصال من يجري خطفهم من المدنيين او منتسبي الاجهزة الامنية، لتصبح شوارع سنسل عنواناً للرمق الاخير لمن وقع في قبضة التنظيم وسط صيحات وهلاهل بعض الاسر المؤيدة للتنظيم والتي يبلغ عددها العشرات.

الدخول بين الألغام
لم يكن الدخول سهلاً الى «عاصمة داعش»، فالمخاطر جمة، تمثلت بكثرة العبوات الناسفة والالغام التي نصبها مسلحو التنظيم في الطرقات، ما اجبرنا على سلوك طرق وعرة في مسعى للوصول الى عمق القرى التي كانت عنواناً لمعركة فاصلة استمرت يومين متتاليين بين القوات الامنية المشتركة المدعومة بالحشد الشعبي ومسلحي داعش، ليعلن بعدها الانتصار ورفع راية العراق فوق منازلها العالية.
عشرات المنازل السكنية مدمرة وألسنة النار لا تزال ترتفع مع اخرى، فيما ترك ازيز الرصاص وشظايا الهاونات علامات تبين عن شراسة المعركة التي كانت من بيت الى اخر، فتنظيم داعش حاول قدر الامكان الاحتفاظ بعاصمته فرمى بعدد غير قليل من الانتحاريين لمواجهة القوات الامنية والحشد لكنه فشل برغم كل شي، فيما تنتشر بين الازقة وعلى جدران المنازل شعارات تمجيد بزعيم داعش والزرقاوي واسماء قيادات اخرى.
التجوال في «عاصمة داعش» لم يكن سهلا، بل لازمته الحيطة والحذر لان الطرقات غير امنة لكون الجهد الهندسي لايزال يعمل في تنظيف الطرقات الرئيسية فيما تئن البساتين من وجع حقبة مؤلمة وقد نشبت النيران في بعضها والبعض الاخر جف من العطش.

اشلاء ممزقة
وفي زقاق ضيق بقايا لـ «اشلاء بشرية ممزقة» تعود لانتحاري هاجم القوات الامنية، وآثار دماء على جدران بعض المنازل تعود لشهداء وجرحى الحشد الشعبي الذين استشهدوا في اثناء عمليات التحرير، في حين تخلو مئات المنازل المهجورة من ساكنيها بعدما أرغم الجزء الاكبر منهم على النزوح خوفا من بطش وجرائم التنظيم. وتغطي بقع الدماء حبل بلاستيكي يتدلى من فوق سقف احدى الغرف التي كانت عبارة عن قاعة متكاملة للتعذيب يستعملها عناصر «داعش»، فيما دوّن بعض المعتقلين اسماء وذكريات بكلمات معدودة وكانها تعبّر عن حزن والم عميق لمن وطأت اقدامهم هذا المعتقل المخيف.

تفخيخ المنازل والمساجد
يقول محمد الشمري، وهو خبير متفجرات، في حديثه إلى «الصباح الجديد» وهو يحاول تتبع خيط يقوده لعبوة ناسفة قرب طريق زراعي، ان «سنسل لم تكن مجموعة قرى زراعية سيطر عليها داعش في حزيران العام الماضي فحسب، بل تكتسب اهمية بأنها مقر القيادة الاساسي لهذا التنظيم في ديالى بشكل عام، واغلب القيادات البارزة من العرب والاجانب كانت تأتي لها لانها ملاذ امن بسب موقعها الجغرافي».
ويضيف الشمري، ان»داعش فخخ عشرات المنازل، وحتى دور العبادة، لدرجة ان بعض المصاحف الشريفة كانت ملغمة، فيما كانت الطرقات والشوارع الداخلية وباحات المنازل هي المواقع المفضلة لزرع العبوات الاسطوانية».
واشار الشمري الى ان «عملية رفع كل العبوات تحتاج الى وقت ليس بالقليل؛ لان آليات التفخيخ غير تقليدية، كما أن خبرات اجنبية ساعدت التنظيم في تطوير صناعة العبوات وخلق ادوات مبتكرة للتفجير».

أهمية تحرير المدينة
من جهته يُقرّ رئيس اللجنة الامنية في مجلس محافظة ديالى، صادق الحسيني، بأن «معركة تحرير سنسل كانت من اشرس المعارك التي خاضتها القوات الامنية المدعومة بالحشد الشعبي؛ لانها كانت معقلا رئيسيا ومهما لداعش في ديالى بشكل عام، وتضم المئات من عناصره، سيما أولائك من العرب والاجانب».
واضاف الحسيني ان «داعش لم يكن يتوقّع ان تصل القوات الامنية الى حدود سنسل لانه بنى خطوطا دفاعية قوية في عدة قرى محيطة، لكن الاجهزة الامنية والحشد الشعبي اخترقت تلك الخطوط وقدمت انهر من الدماء الزكية من اجل تحرير معقلاً مهماً للتنظيم كان منذ 7 اشهر مصدر للانتحاريين والسيارات المفخخة والهاونات على الاحياء والمناطق الامنة».
فيما اكد قائد عمليات دجلة الفريق الركن عبد الامير الزيدي، ان «سنسل كانت منطقة مهمة لداعش بسبب موقعها الجغرافي اضافة الى ما تتميز به من غطاء زراعي كبير يتمثل بالبساتين الزراعية الكثيفة، لذلك كانت معقلا رئيسيا على مستوى ديالى».
واضاف الزيدي ان «داعش حاول المقاومة في معركة سنسل لكننا نجحنا في اقتحامها من عدة محاور، وخوض حرب شوارع مع مسلحي التنظيم انتهت بالانتصار المؤزر بعد تقديمنا كوكبة من الشهداء الابطال والجرحى».
اما النقيب منصور حسن، من قوات الجيش العراقي، فهو يلوح بيديه الى شارع عريض في اطراف قرى سنسل، مردداً: هنا كانت تقام مهرجانات الدم التي يقطع فيها مسلحو داعش اوصال الابرياء ممن يجري خطفهم.
يقول حسن ان «الاجهزة الامنية عثرت في داخل القرية على مقبرة جماعية تضم رفات ضابط برتبة نقيب في الجيش وجنديين اعدمهما تنظيم داعش بعد تعذيبهما قبل اشهر، لافتا الى ان «سنسل كانت معتقلا كبيرا يضم عشرات المخطوفين كانوا قد نقلوا اليها ولا يعرف حتى اللحظة مصيرهم لكننا نتوقع بان التنظيم قتلهم ودفنهم في مقابر جماعية ربما سنعثر عليها في مقبل الأيام».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة