أنا ولولو والكابتشينو

نزار عبد الستار

كابتشينو
قالت بصوت مرتفع، وكأنها تواً سمعت سؤاله:
ـ أنا أيضا أريد كابتشينو my little bear
كان أثر رغوة الكريما على طرف فمه حين دخل إلى غرفة النوم، وهو يحمل بارتفاع مميز كوبها بيسراه. وضعه على طرف الكومودينو، بعد أن دفع علب كريمات بشرتها إلى الخلف. كانت قد ارتدت البنطلون الخردلي، وأعطته ظهرها كي لا يرى احمرار وجهها، وهي تشبك الزرار بصعوبة، وترفع السحاب.
أمسك بشعرها، وقال لها، وهو يأخذ رشفة من الكابتشينو:
ـ حاولت أن أرسم لك بالدارسين على وجه الكريما شكل قلب، إلا أنه بدا يشبه شعار المنجل والمطرقة.
قالت:
ـ اختر لي قلادة تعجبك.
توجه إلى منضدة المرآة، ورفع الشسوار وأوصله بالكهرباء. قالت وهي تفتح ضلفتي دولابها، وتحدث فراغاً بين ملابسها من المنتصف:
ـ لا تحاول.. صوت الشسوار البراون يزعجني.
أعجبته مسكة الشسوار. ذكّرته بأفلام الفضاء. قال بإصرار:
ـ لن أزعجك.. سأفعل هذا بالتناوب، وعلى درجة تشغيل واطئة. شعرك مبلل.
ردّت، وهي تعثر على الجاكيت:
ـ هي رطوبة خفيفة، ومع الايشارب لن أشعر بشيء، وسيجف وأنا في السيارة. هل لون الحذاء مناسب؟.
قال، وقد انتبه إلى فوهة الشسوار الذاهبة إليها، فوجهها إلى السقف:
ـ سأجففه لك بينما أنت تعملين الميك آب.
واستدرك:
ـ البسي قلادة اسطنبول الفضية، لأن روحي فيها، وستحميك.
قالت:
ـ سأتأخر. أنت تعقّد الأمور. رسمة القلب في الكابتشينو حولتها إلى شعار الاتحاد السوفيتي السابق.
قال بخمول حزين، وهو يسقط يده الحاملة للشسوار بينما يده اليسرى بمستوى سرته، وتحمل كوب الكابتشينو:
ـ وهل تتوقعين أن أحوّل شعرك إلى ريش الهنود الحمر. أنا سأجففه فقط.
ردّت:
ـ لقد تأخرت كثيراً، وكان الأجدر بك تقدير صعوبة هذا. يبدو إنك لم تر الحبة الحمراء في رقبتي. حرارة الشسوار ستؤذيني.
قال بارتباك:
ـ رأيتها. أنا فكرت فيها كثيراً لذلك سأضع يدي على مكان الحبة الحمراء، وأنا أجفف شعرك.
قالت بارتباك:
ـ هل عرفت الآن لماذا أرفض أن تجفف شعري.
أجاب، وهو ينظر إلى الشسوار:
ـ تحترق يدي أفضل من خروجك بشعر مبلل.
قالت بعصبية:
ـ لقد تأخرت.
فتحت حقيبة يدها، وتأكدت من محتوياتها. أنزل مجدداً يده الحاملة للشسوار، وأبقى على مستوى حمله للكوب، وبدلاً من أن تقبّله أعطته ظهرها، وقالت قبل أن تخرج:
ـ “يسلموا على الكابتشينو”.

أنا ولولو
ردّ الصيدلاني الشاب بأن الدواء من منشأ فرنسي.
سألها إن كانت تصدّق هذا. نقر بإصبعه على غطاء العلبة الزجاجية، وقال بأنها غير محصنة من الفتح العشوائي. أكدت له بابتسامة متوسلة أن الفرنسيين لا يدققون في جمالية الأدوية، وأن المواد العشبية، ومشتقات الفواكه هي رهينة اعتقادات خاطئة. قال بأن كلامها ينطبق على أدوية الأمراض الحزينة، أما كبسولات التخسيس، فهي تحوز على عناية تغليفية كما العطور تماماً.
ابتعد الصيدلاني عنهما ما إن قال لها إنه لا يجد ضرورة لهذا الإنهاك. ردّت عليه بأنها لا بد أن تتمسك بأي أمل يجعلها أنحف، وأكثر جمالاً. عاد الصيدلاني ليقترب منهما بعد أن بدا له أنهما لم يتأثرا بصوت الانفجار الذي وصل واضحاً.
قال لها:
ـ أوكي لولو.. أنا أفهم، ولكن لا أستوعب أن يزول منك شيء.
لامسته، فميّز منها عطر ديون:
ـ لماذا لا تفكر أن الوزن الزائد يضرني. هذه كبسولات تنحيف مضمونة، وبنكهة الأناناس، أي أنها طبيعية.
جلس الصيدلاني على “الستول”، وراح يمسح نظارته بقطعة مخملية. قال، وهو يرفع العلبة الزجاجية إلى أنفه:
ـ أقترح أن تجربي الكبسولات يوم الجمعة.
ردّت:
ـ اليوم هو الأحد. سيقتلني فضولي.
أغلق العلبة قائلاً:
ـ رجوتك مراراً أن تلغي أية كلمة تمت بصلة لهذه الكلمة.
رفع الصيدلاني وجهه، ونظر إليها وهي تسأله:
ـ هل تخشى أن أموت إذا ابتلعت هذه الكبسولات؟.
تقابلت نظراته مع نظرات الصيدلاني، إلا أنه لم يره، وقال بإصرار:
ـ حسناً..علينا تجربتها يوم الجمعة كي نعرف إن كانت مناسبة لجهازك الهضمي.
هي أيضاً نظرت في عيني الصيدلاني القريب جداً منهما، ولم تره، وتساءلت:
ـ هل يعني هذا أنك لن تشعر بالقلق حتى الجمعة المقبلة؟.
فتح غطاء العلبة مجدداً، ونظر إلى الكبسولات، وقال:
ـ لست متأكداً، ولكن سأحاول.
قالت:
ـ إذا كنت ستفكّر من الآن بيوم الجمعة، وبجهازي الهضمي، وتقلق، فأنا لن أبتلع هذه الكبسولات أبداً.
قال لها بصوت متهدج:
ـ أعدك بأنني لن أفكّر من الآن. سأفعل ذلك يوم الجمعة فقط.
قالت بعصبية:
ـ وفي الجمعة ستقلق، وتدخن كثيراً، ولن تأكل جيداً، وستسألني مليون سؤال عن معدتي، وأمعائي، وبماذا أشعر، وستدقق في كل نفس أتنفسه.
قال لها، وهو ينظر في وجه الصيدلاني من دون أن يراه:
ـ سأتصل بمحمد حينها، ونتقابل في المقهى كي تقل أسئلتي.
أسرعت إلى القول:
ـ شرط أن أغلق هاتفي.
لحظتها رأى وجه الصيدلاني القريب، وسأله:
ـ كم سعر هذا الدواء؟.
ردّ الصيدلاني بفك متهدل:
ـ ها..

ساعتان
كتب إليها: هل حدثتك من قبل عن الساعتين أوميغا وكاسيو. يوجد في رأسي الكثير من الكلمات، ولا أعرف متى قلتها لك.
وكتب بعدها: بالأمس استيقظتُ في الرابعة والنصف فجراً. هل حدث لك شيء في هذا التوقيت؟. هل شعرت بصداع مثلاً؟. أنا أردت تنبيهك لأمر، فاليوم قرأت خبراً عن انفجار بطارية الليثيوم أيون في جهاز “كالاكسي نوت” لمواطن كوري جنوبي. أريدك أن تنتبهي جيداً.
ردّت كاتبة: لم تحدثني من قبل عن أوميغا وكاسيو، وأنا كنت نائمة في هذا التوقيت. لا تدع الكلمات تسيطر عليك. اتصل بأصدقائك. أنا بخير لا تقلق.
كتب إليها: الأوميغا أهداني إياها أبي في أول يوم لي في المدرسة، والكاسيو هي أول ساعة أشتريها. ربما في هذا التوقيت حلمتِ بشيء، لأنني سمعتك تناديني.
وكتب بعدها: قدحك الأزرق الذي تشربين فيه الحليب مع الزنجبيل سقط من يدي، ولكنه لم ينكسر. كل أحلامك تأتيك بعد الرابعة فجراً.
ردّت كاتبة: فداك، ولا تفكر بالكوري الغبي. ربما أكون قد ذهبت إلى التواليت في هذا التوقيت، وإذا كنت قد ناديتك، فهذا لأنني أفكر بك أول ما أستيقظ.
كتب: حقاً؟.
وسألها بعدها: هل شعرتِ بألم في المعدة بالأمس في حدود العاشرة صباحاً؟.
أجابت: أنا زوجتك، فكيف لا أفكر بك. لا لم يكن ألماً في المعدة. في هذا التوقيت تذكّرت أننا منذ يومين لم نشرب القهوة معاً.
كتبت إليه بعدها: أريد أن تغيّر صورتي على خلفية شاشة القفل في موبايلك. أنت تنظر إلى وجهي كل ثانية، وهذا يجعلك تقرأ الوقت، وتشعر بثقله.
كتب إليها: صح. أنا افعل هذا، ولكن سأزيل التوقيت من الشاشة، وليس صورتك.
وصله مسج منها بعد أن أنهى سيجارته: لا تنم اليوم في تختنا. أنا قفلت باب الدولاب على ملابسي، وأشيائي كي يبتعد عنك صوتي، ونسيت أن صورتي على خلفية شاشة القفل في هاتفك.
سألته بعدها: هل فاز العراق على أندونيسيا، وهل شعرت بألم في أسنانك مساء؟.
ردّ عليها: لا أعرف. أنا فقط شاهدت برنامج حديث البلد على “الأم تي في” كي احكي لك ما جرى فيه حين تعودين في الغد.
وكتب بعدها: نعم شعرت بألم في أسناني مساء، ولكنني ظننت أن أسنانك أنت توجعك.
ردّت عليه: أنا شعرت بالألم للحظة، لهذا فسرت الأمر على أنه وجعك أنت.
كتب إليها: حين ضحكت منى أبو حمزة في البرنامج شعرت بألم أسناني للحظات، وأنت تحبين منى لهذا ظننت أنها أسنانك أنت.
كتبت إليه: أنا شعرت بالألم للحظة، وأنت قلت إنك شعرت به للحظات، ومعنى هذا أنها أسنانك أنت.
كتب إليها: ربما..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة