الأخبار العاجلة

مرحلة التعادل الاستراتيجي تُفقد سوريا جاذبيتها

خلال العام 1978, ارسل ما يقدر بـ108 من الشيوعيين السوريين ضمن دورات تدريبية في الاتحاد السوفيتي, و على نفقة الاتحاد السوفيتي بلا شك. و قد لاحظ جهاز الـKGB إن معظم هؤلاء المتدربين كانوا اما اصدقاء او اقرباء لزعماء الحزب الشيوعي السوري 65. و خلال العام 1979, عمد مقر الـKGB في دمشق الى تقديم خمس معونات مالية لقيادة الحزب الشيوعي بلغت قيمتها 275000 دولار 66. و قد ابلغ بكداش مقر الـKGB إن ما يزيد على 50000 دولار من اصل ذلك المبلغ إنما انفقت على تأسيس مطبعة سرية تحت الارض, فضلا عن طلبه لتخصيصات اضافية اخرى67. و قد وصلت مدفوعات الجهاز الى ما لا يقل عن 329000 دولار في العام 1980, و اكثر من ذلك على الارجح 68. لكن اموالا اخرى كثيرة إنما دفعت للحزب جراء العقود السوفيتية المربحة مع الشركات التجارية التي يديرها الحزب.

اسلحة واموال للحزب الشيوعي
و على سبيل المثال, ففي العام 1982, اورد مقر الـKGB في دمشق إن احدى الشركات التي تم تأسيسها بأموال السوفيت إنما ستسهم بتمويل الحزب بـ1200000 ليرة سورية خلال ذلك العام 69. و بطلب شخصي من بكداش, عمد مقر الـKGB الى تجهيز الحزب الشيوعي السوري بـ150 مسدساً من نوع “ماكاروف” مع كمية من الذخيرة, حيث سلمت تلك الشحنة شهر حزيران من العام 1980. و كأجراء احترازي امني مخافة اكتشاف امر تلك الاسلحة, تم تغليفها بعلب سورية لتغليف الاسلحة حصل عليها جهاز الـKGB من السوق السوداء 70. كما تلقى الحزب الشيوعي السوري لاحقا “وديعة” بـ75 مسدساً من نوع ماكاروف مع ذخيرة تم تسليمها في العام 1981. و قد شكر بكداش سلطات الـKGB على دعمهم الاخوي و اهتمامهما الثابت بأحتياجات الحزب الشيوعي السوري 71. و ضمن لقاء في احدى الشقق الامنة مع اثنين من ضباط العمليات من مقر دمشق بعد عام على ذلك, عدد بكداش اسماء ملاك المقر في دمشق الذين اصبحوا من اصدقائه و تعاونوا معه ودياً خلال مسيرة ربع قرن من الزمن, و منذ عودته من المنفى. و انتهى بكداش بمديح الـKGB قائلا “انكم السلطة السوفيتية الوحيدة التي كنا, و ما نزال, نتمتع بتفاهم مشترك معها حول معظم القضايا المختلفة. و ارجو منكم إن توصلوا خالص و عظيم امتناني للرفيق اندروبوف نيابة عن كل حزبنا 72.”

شكوك متزايدة
لكن جهاز الـKGB كان, برغم ذلك, قلقاً بشكل متزايد جراء تنامي الانقاسامات و الصدوع داخل الحزب الشيوعي. فبحلول نهاية العام 1981, عقد احد مسؤولي مقر الـKGB في دمشق, نيكولا فيودوروفيتش فيتروف, سلسلة من اللقاءات مع بكداش الذي كان يبلغ الـ70 من العمر, و الذي تولى مهام قيادة الحزب الشيوعي السوري منذ نصف قرن من الزمن. و ضمن تلك اللقاءات, تذمر بكداش من عدم التزام كامل اعضاء الحزب الشيوعي السوري بالقضية الماركسية-اللينينية, فضلا عن إن عمره و صحته المتدهورة جعلت من الصعوبة بمكان عليه إن يتمكن من احكام سيطرته على كل انشطة الحزب. كما اعرب بكداش عن شكوك متزايدة ازاء رفيقه (و اسمه الرمزي فريد). و قد تحدث بكداش الى فيتروف قائلا انه بالرغم من إن فريد الذي يعد مسؤولا حزبيا جيدا, الا انه لم يكن في النهاية قادرا بما يكفي للابتعاد عن بيئة البرجوازية الصغيرة التي ينحدر منها. لكن اعتراض بكداش على فريد كان, على ما يبدو, متأتيا من مخاوفه و شكوكه إن الاخير يتآمر عليه. كما قال بكداش كذلك إن فريد عمد الى ترقية الناس الذين يوالونه بشكل شخصي, فضلا عن كونه اصبح شخصا فاسدا, و استدان مبلغ 50000 ليرة سورية لشراء منزل في دمشق من احد رجال الاعمال الذين جمعوا ثرواتهم جراء عقود السوفيت المربحة, الا إن رجل الاعمال ذلك توقف عن دعم الحزب الشيوعي 73. بحلول منتصف الثمانينيات, بات بكداش مصدر قلق و صداع لمقر قيادة الـKGB اكثر من فريد. فبرغم كل احتجاجاته و مواقفه الموالية للاتحاد السوفيتي.

تدمير منصات الصواريخ
لم يكن بكداش قادراً على تبني و استيعاب المرحلة الجديد للـ”غلاسنوست – و تعني الشفافية” و الـ”بيروسترويكا – و تعني اعادة البناء.” و مع تفكك و سقوط الاتحاد السوفيتي, دافع بكداش عن ستالين فضلا عن هجومه و استنكاره لغورباتشوف 74.
تسبب الغزو الاسرائيلي للبنان في حزيران العام 1982 الذي لم ينجح بتدمير منظمة التحرير الفلسطينية و تقوية موقف حلفاء اسرائيل الموارنة, تسبب بأزمة جديدة في العلاقات السوفيتية – السورية. فللفترة من 9-11 حزيران, خاضت اسرائيل و سوريا واحدة من اكبر المعارك الجوية في تاريخ القرن العشرين فوق سهل البقاع. و قد تمكن الطيران الاسرائيلي من تدمير كل منصات صواريخ سام-6 على جانبي الحدود السورية – اللبنانية, فضلا عن تمكن الطيارين الاسرائيليين من اسقاط 23 طائرة ميغ سورية من دون إن يخسروا طائرة واحدة 75. و حينما تم نصب منصات جديدة لصواريخ سام في صيف ذلك العام, عمد الاسرائيليون الى تدميرها كذلك. و بالعودة الى ما وراء الكواليس, وجه السوريون اللوم عن هزيمتهم الى ضعف و سوء اداء المعدات السوفيتية, فيما وجه الروس بالمقابل لومهم و نقدهم الى عدم كفاءة السوريين في استعمال تلك المعدات. لكن كما كتب الصحفي البريطاني باتريك سيل, فان كلا الطرفين كان محتاجاً للآخر. لقد كان الاسد يحتاج للاسلحة, فيما كان الروس يحتاجون لاستعادة سمعة و اداء اسلحتهم العالي, فضلا عن مكانتهم السياسية الاجمالية في العالم العربي. و قد مثلت زيارة الاسد لموسكو لحضور جنازة بريجينيف, مثلت مناسبة ملائمة لاذابة الجليد مع الزعيم السوفيتي الجديد, يوري اندروبوف. و بالرغم من معارضة كل من غروميكو و اوستينوف الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع السوفيتي, وافق اندروبوف على تزويد سوريا بأنظمة اسلحة متقدمة لم يسبق إن قدمت لاي بلد آخر في العالم الثالث, فضلا عن إن بعضها تم تشغيلهو ادارته على يد خبراء سوفيت بانفسهم 76.
تحتوي مذكرات فاديم كيربيشينكو, و هو احد كبار خبراء مقر قيادة الـKGB البارزين في شؤون الشرق الاوسط, تحتوي على تفاصيل مثيرة للاشمئزاز عن الاسد. فخلال اجتماعين و 5 ساعات من المناقشات المكثفة بخصوص قضايا الامن و الاستخبارات, تساءل الاسد عن تفاصيل كثيرة بخصوص بنية و وظائف الـKGB 77. و يدعي كيربيشينكو انه وجد الاسد شخصية طيبة و لطيفة و منتبها لما يقال له. كما اشار كيربيشينكو الى أن اي نوبات غضب و صراخ لم تحصل, فضلا عن عدم حصول توقفات في الحوار او استعجال من أي نوع. و قد عمد الاسد الى تذكير كيربيشينكو, بقوة, بضابط الاستخبارات الاسطوري أيفان ايفانوفيتش آغيانتس الذي كان في مقر الجهاز بطهران في اثناء الحرب,و الذي انتقل الى مقر الجهاز في باريس بعد الحرب, حيث قال عنه الاسد “إن ايادي الاستخبارات العجوز ما تزال تذكر طبيعته و حكمته. (و لم يذكر كيربيشينكو إن آغاينتس كان خبيرا بالخداع, و هو امر آخر من صميم اهتمامات الاسد كذلك 78.)

حليف غير جذاب
تقدم استذكارات كيربيشينكو بعضاً من الحس المجمل عن صورة سوريا الاسد للقيادة السوفيتية حينما وصل البلدان الى مرحلة اتفاقية التعاون والصداقة المشتركة. في حقيقة الامر , و بأي معيار كان, يعد الاسد حليفاً غير جذاب ابداً. لقد تصادف توقيع الاتفاقية مع واحدة من اكثر المراحل دموية في تاريخ حكم حافظ الاسد. فخلال بداية ثمانينيات القرن الماضي, عمد نظام الاسد الى قتل ما لا يقل عن 10000 من مواطنيه, فضلا عن سجنه لآلاف غيرهم في ظروف مروعة بالعادة. و اثناء تلك الحقبة, تم تدمير معظم مدينة حماه التي تعد معقلا قوياً للسنة السوريين المناهضين للحكم العلوي, فضلا إن تدمير و تخريب معظم المدينة التي تعد احدى اجمل مدن سوريا بما فيها جامعها الكبير الذي تحول الى ركام. كما إن العديد من اللبنانيين من المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة السورية, إنما اختفوا في غياهب السجون السورية و لم يعثر احد لهم على اثر بعد ذلك 79. و كما هو الحال مع صدام حسين و معمر القذافي, استخدم الاسد اجهزة استخباراته لاصطياد و تصفية خصومه في الخارج. و إضافة لسمعته السيئة جراء توفيره ملاذاً امناً لبعض من اشرس و اسوء ارهابيي الشرق الاوسط, فان نظام الاسد فشل في اخفاء آثاره حينما كان يقوم بعملياته الارهابية ضد المنشقين الذين يعيشون في الدول العربية الاخرى. فمع بداية العام 1981, عمد فريق اغتيالات يعمل بأمرة رفعت الاسد شقيق الرئيس, و الذي ادعى جهاز الـKGB انه تمكن من التأثير عليه 80, عمد الى دخول الاراضي الاردنية مع تعليمات تقضي باغتيال رئيس الوزراء الاردني مضر البدران الذي استنكره الاسد علناً حينما وصفه بالمتحالف مع الاميركيين و الصهاينة و المنشقين السوريين.

فريق الموت السوري
لكن كامل مجموعة فريق الموت السوري إنما تم اعتقالها لتخرج الى الناس بأعتراف مذل استمر لـ3 ساعات من على شاشات التلفزيون الاردني التي كان الكثير من السوريين يستطيعون تسلم بثها من داخل بلدهم. لكن برغم ذلك الاحراج, اعلن رفعت الاسد على الملأ إن الاعداء الذين هربوا الى الخارج إنما سيتم التعامل معهم. شهر آذار من العام 1982, وردت تقارير في الصحافة البريطانية بناءا على ايجازات قدمتها مصادر دبلوماسية غربية في دمشق, تشير الى إن 6 فرق اغتيالات مدربة و مجهزة بنحو جيد إنما ارسلت الى اوروبا بهدف تصفية و اغتيال المعارضين السوريين. و احد تلك الفرق الذي كان مكونا من 3 عملاء إنما تم اعتقالهم في مدينة شتوتغارت الالمانية حيث وجد بحوزتهم اسلحة شبه اوتوماتيكية و متفجرات. بعد شهر من ذلك, انفجرت قنبلة في مكتب احدى الجرائد العربية المعروفة بمواقفها المناوئة لنظام الاسد في باريس, حيث لقيت امرأة حامل مصرعها في ذلك التفجير, فضلا عن جرح 36 كانت حالة 12 منهم حرجة. من جانبها, فأن الحكومة الفرنسية التي لم تخف اقتناعها بتورط و مسؤولية النظام السوري, إنما عمدت الى طرد اثنين من الدبلوماسيين السوريين من فرنسا تحت عنوان قيامهم بـ”انشطة غير مقبولة 81.” لكن من غير المحتمل, غالباً, إن تكون سنوات بريجينيف الاخيرة قد اضطربت جراء التقارير المحرجة لسوء تصرف نظام وقّع للتو, و بعد سنوات من محاولات الاقناع, وقع معاهدة للصداقة و التعاون المشترك مع الاتحاد السوفيتي.
بالرغم من عدم جاذبية سوريا التي اصبحت حليفاً للسوفيت, الا إن كل خيارات السوفيت للتحالف مع القوى الكبرى في الشرق الاوسط إنما اضمحلت تماماً. كما إن مساعي دمشق التي سعتها خلال السنوات اللاحقة بهدف الوصول الى مرحلة التعادل الاستراتيجي مع اسرائيل إنما جعلت من سوريا اكثر اعتماداً, من ذي قبل, على التسليح السوفيتي المتطور, و من بين انواعه الطائرات المقاتلة, و الصواريخ من نوع ارض – جو, والصواريخ من نوع ارض – ارض, فضلا عن انظمة السيطرة و التوجيه الالكترونية للمعارك الجوية. و عن هذا الموضوع, استذكر الجنرال ديميتري فولكوغونوف الذي كان يشغل في وقتها منصب مدير مديرية الاستخبارات العسكرية السوفيتية, يستذكر قائلا “لم يكن هنالك من بلد كان فيه هذا العدد من المستشارين الذين يتحدثون الروسية بقدر ما كان موجوداً في سوريا. لقد كان لكل من يعيش في دولة تعيش نصف حالة حرب و نصف حالة سلام, لهم جميعاً رفض للاتحاد السوفيتي و ايديولوجياته, و إن احداً لم يكن يريده هناك, الاإن دباباته و بنادقه و تقنييه كانوا على اعلى قدر من القيمة و الاهمية للبلاد 81.”

تغيير ميزان القوى
بحلول العام 1985, كان الاقتصاد السوري على شفا الانهيار تحت وطأة الميزانية العسكرية الهائلة التي استهلكت ما يقدر بنصف الناتج القومي للبلاد. و فيما بدا إن غورباتشوف كان متردداً في انتشال الاسد, ادرك الاخير إن حالة التعادل الاستراتيجي مع اسرائيل إنما كانت امراً ابعد من قدرة سوريا. و كما يحلو للسفير البريطاني في دمشق, السير روجر تومكيز إن يقول, فأن الاسد كان واقعياً الى حد مرعب بخصوص تغير ميزان القوى في الشرق الاوسط. و قال الاسد للسفير البريطاني توميكز ذاته معلقا “لو انني كنت رئيس وزراء اسرائيل, و اتوفر على كل التفوق العسكري الاسرائيلي الحالي مدعوماً بالقوة رقم 1 في العالم, فأني ما كنت لاقدم اي تنازل قط 83.”خلال فترة نهاية الثمانينيات من القرن الماضي, عمدت موسكو الى رفض معظم طلبات سوريا الرامية للحصول على اسلحة متطورة. لكن برغم ذلك, نظر الاسد الى تفكك الاتحاد السوفيتي و الكتلة الشرقية على انه كارثة محضة. فبرغم كل خلافاته مع موسكو خلال العقدين الماضيين, الا انه وصل الى قناعة راسخة مفادها إن تحالفه مع السوفييت كان حيوياً و جوهرياً لأمن سوريا. و كما سبق لأحد كبار المسؤولين في دمشق الذي تكلم بألم عن سلطة الكرملين التي ذهبت من غورباتشوف الى يلتسين نهاية العام 1991, فقد وصف المشهد بالقول “اننا نأسف على انهيار الاتحاد السوفيتي اكثر من أسف الروس انفسهم عليه.”

ترجمة: الهادر المعموري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة