حين يجابه العقل كوارث الهمجية

T h e I m i t a t i o n G a m e

عبدالسادة جبار

تحسم القضايا الكبرى في التاريخ بجهود أطراف متعددة لا يعرف الجميع بعضاً منها، إذ أن من يقفز الى الواجهة هي تلك الشخصيات الكبيرة التي يعتقد ان الفضل الحقيقي لها ويسجل الحسم باسمها، وتبقى تلك الأطراف مجهولة عند الأغلبية برغم الدور الكبير الذي لعبته في ذلك الحسم، في الحرب العالمية الثانية تحولت كل الطاقات لمواجهة هذا الشر المستطير الذي فرضته النازية على العالم بكل قدراتها العلمية والعسكرية لتسعى لامتلاك العالم بعد تدميره، وكان لابد من استثمار العقول بكل أنواعها القتالية والتجسسية والسياسية والتكنولوجية لمواجهة هذا الوحش المتقدم في كل تلك المجالات، وتعدّ الاتصالات العسكرية واستراق إشارات الأوامر ذات أهمية بالغة لكسب المعارك وتجنب أكبر قدر ممكن من وحشية وبطش النازية، فيلم ” The Imitation Game- لعبة المحاكاة ” للمخرج البلجيكي الأصل “مورتين تيلدوم ” قد صور قصة حقيقية عن جهود علماء اقتصرت مهمتهم على فك الشيفرة العسكرية الألمانية التي يصعب فك رموزها، يتطرق الفيلم إلى حياة عالم الرياضيات البريطاني العبقري وخبير التشفير ومؤسس علوم الحاسوب” آلان تورنج” الذي قاد المجموعة العلمية لفك شيفرة “إنيجما” الألمانية، حيث أسهم هذا الجهد العلمي الكبير في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، “تيلدوم” اعتمد على القصة الحقيقية التي كتبها “اندرو هودجز” بعنوان “الان تورنج : اللغز” وكتب السيناريو “غراهام مور”، ولم تختصر قصة الفيلم على جهده العلمي وانتصار الحلفاء على اثر ذلك، الفيلم يتناول أيضاً فترات مهمة من تكوين وحياة تورنج، مراهقته القاسية حيث درس في مدرسة داخلية، وعلاقته مع صديقة كرستوفر الذي يموت نتيجة المرض ويترك أثراً مؤلماً في نفسه وعلاقته العاطفية مع احدى العالمات العاملة مع المجموعة وتركهما لبعض بسبب اكتشاف قضية شذوذه الجنسي التي تحولت إلى مأساة.

سيناريو الفيلم
يبدأ الفيلم من نهاية القصة حيث يجري التحقيق مع العالم “تورنج” الممثل (بينيديكت كامبرباتش)؛ لاتهامه بممارسة الفحشاء المثلية التي كانت محرمة في بريطانيا، ثم بطريقة “الفلاش باك” نعود إلى تطوعه للانضمام الى فريق فك الشيفرة العسكرية التي يرسلها الى الألمان عبر آلة حصينة تسمى “اينغما” عجز الأميركان والانجليز والروس عن فك شفرتها، حين يعرف المسؤول عن المشروع انه لايجيد الألمانية يرفض قبوله، إلا انه يثبت للقائد انه ذو موهبة علمية متقدمة، فيوافق على قبوله وبعد جهد كبير يطلب من القصر الملكي أموالاً لصنع آلة تعمل على كشف شيفرة “ايغما”، لكن المسؤولين يرفضون ذلك ، يتمكن من إيصال اقتراحه إلى تشرشل.. فيأمر بالاستماع إلى كل ما يطلبه.. فيتم اختياره رئيساً للفريق، إلا انه يعامل فريقه بطريقة قاسية ويطرد البعض منهم فيقيم اختباراً لمجموعة من الموهوبين تحضره فتاة متأخرة “جوان كلارك” الممثلة (كيرا نايتلي)، تمنع من المشاركة، غير إن تورنج يوافق على مشاركتها الاختبار فتحل الأحجية في الوقت المطلوب لتصبح واحدة من المقبولات في الفريق، وهكذا يترأس “تورنج” فريقاً من أفضل العلماء والخبراء البريطانيين من شتى التخصصات، ممن شملوا علماء الرياضيات واللغويين وأبطال الشطرنج وضباط الاستخبارات، وكانت مهمة هذا الفريق فك شفرات الرسائل السرية الألمانية لإنهاء الحرب، يميل “تورنج” لجوان كلارك، إذ تنصحه بأن يكون لطيفاً مع فريقه ليستسيغوه ويساعدوه في الوصول إلى الهدف، يعمل بنصيحتها وبرغم الصعوبات الكبيرة يتمكن في لحظة مفاجئة من اكتشاف العبارات التي تهديه لفك الشفرة عبر الآلة الضخمة التي صنعها، وهكذا يتحقق الهدف ويتم استراق الشيفرات الألمانية حيث يساعد ذلك على كشف الخطط الألمانية، لكن “تورنج” يكتشف إن أحد أعضاء فريقه يعمل كعميل لصالح روسيا، لكن الآخر يهدد “تورنج” بانه سيكشف أمر علاقاته المثلية إذا كشف سره، تنتهي الحرب لصالح الحلفاء، وتسعى جوان للارتباط به الا انه يكشف لها حقيقته وانه اختارها فقط لتساعده في العمل، بعد مرور سنوات ونتيجة التحقيق بسرقة منزله يتم اكتشاف سره ليخضع للتحقيق ثم المحاكمة فيصدر الحكم أما بحبسه سنتين أو يتلقى علاجاً بحقن تعمل على تدمير هرموناته للقضاء على مثليته، تزوره جوان لتجد إن صحته قد تداعت نتيجة هذا العلاج لكنه يشعر بالسعادة بسبب وجود آلته معه، ينطفئ الضوء ثم يظهر أصدقاؤه في فريق البحث وهم يحرقون البحوث القديمة ونقرأ على الشاشة إن “تورنج” قد انتحر بعد سنتين من تلقيه العلاج، ونقرأ أيضاً إن الملكة اليزابيث الثانية منحت “تورنج” العام 2013عفواً شاملاً تكريماً لأعماله العلمية؛ لأن عمله ساعد على تقليص زمن الحرب سنتين وأنقذ حياة 14 مليون شخص، في حين ظل سر فك الشفرة تحتفظ به بريطانيا 50 سنة.

المعالجة والأصداء
عالج المخرج القصة الحقيقية للفيلم بأسلوب سينمائي ناجح، حيث جمع الفيلم في خلطة ناجحة أسلوب السيرة الذاتية والحرب والتشويق والدراما كما انه قام بسرد القصة بأسلوب سلس وفني معتمداً طريقة (الفلاش باك الشبكي) حيث يعيدنا الى مراحل زمنية مختلفة من حياة “تورنج” بطريقة غير متسلسلة حين يقف عند توضيح جانب من التكوين النفسي للبطل، جمع الفيلم براعة في المونتاج والتصوير والموسيقى وانتظام الإيقاع، إذ حافظ على التدرج في سرعة الأحداث وتفسيرها تصويرياً ولم يعتمد على كثافة الحوار، وقد أسهم أداء الممثلين في تجسيد تلك الشخصيات الحقيقية، وعلى الخصوص الأداء المتميز الذي قدمه الممثل بنيديكت كمبرباتش الذي جسد دور “تورنج”، حقق الفيلم أرباحاً تقدر بـ 36 مليون دولار في غضون شهر واحد من عرضه ولم تبلغ كلفته أكثر من 15 مليون دولار، عرض فيلم “لعبة المحاكاة” في 46 مهرجاناً سينمائياً، وهو إنجاز لم يحققه أي فيلم آخر من إنتاج العام 2014، وفاز الفيلم بأربع وثلاثين جائزة شملت 18 من جوائز المهرجانات السينمائية و16 من جوائز روابط نقاد السينما واحتل في أسبوعه الأول المركز الثاني في قائمة الأفلام التي حققت أعلى الإيرادات في دور السينما البريطانية، وبلغت إيراداته العالمية الإجمالية 36 مليون دولار خلال شهر، في حين بلغت تكاليف إنتاجه 15 مليون دولار، وهناك اتفاق عام بين النقاد على أن الفيلم واحد من أفضل أفلام العام 2014 وقد ترشح إلى نيل 8 جوائز أوسكار للمهرجان المقرر في شباط.

فيلم ” “The Imitation Game، تمثيل: بينيديكت كامبرباتش، كيرا نايتلي، إخراج: مورتين تيلدوم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة