أرذل الهمم

كما هو حال الانسان عندما تمتد به فرص الحياة ليصل الى ما يعرف بـ (أرذل العمر)، كذلك هو الأمر مع المجتمعات البشرية حيث تتدهور امورها القيمية وتجف منابع معنوياتها الى درجة يمكن ان نطلق عليها حقبة (أرذل الهمم) عندما تصبح عاجزة عن الاتيان بأي رد فعل ولو بسيط تجاه الحالة المزرية التي انحدرت اليها. مجتمعات فقدت حيويتها أو اهدرتها في الفزعات الخائبة، لتصل الى ماهي عليه اليوم، من هزائم مادية ومعنوية على شتى الجبهات، حيث يخوض الجميع حربهم ضد الجميع تحت شتى الذرائع والبيارغ والاحقاد الصدئة. وفي مثل هذه البرك الآسنة يستثمر سدنة الغيبوبة مستندين الى كم هائل من حطام البشر والحجر وموروثات (البوكو حرام) المتخصصة برفع منسوب الهلوسة والضياع على تضاريس هذه المضارب المنكوبة.
قبل أربعة أعوام ومع اشتعال أول المستضعفين في هذه المضارب المنسية (البوعزيزي) في تونس، واندلاع الاحتجاجات الشعبية، والتي اطاحت موجتها الاولى بعدد من قلاع العبودية والقهر المزمن فيها، استرد غير القليل منا شيئاً من الأمل والمعنويات بامكانية امتلاك فرصة للالتحاق بركب الامم التي اكرمتها الاقدار ببركات ومدونات ومقتنيات البوكو (الحداثة واكسسواراتها). ولم يمر وقت طويل حتى اكتشفنا جميعاً نوع القوى والمواهب والاستعدادات التي اختمرت طويلاً في جوف ذلك الركود والسبات العقلي والروحي طوال أكثر من الف عام وعام من الاغتراب والانفصال عن تحديات الدنيا الفانية.
ان الاصرارعلى اتباع تكتيك النعامة في مواجهة المصائر الموحشة المتربصة بنا، لن ينضح عنه، غير المزيد من سيناريوهات حقبة ما بعد التغيير الغرائبية. ان منهج الترقيعات وتزييف الحقائق يعني الاسراع للارتماء في احضان الكارثة المحدقة بنا جميعاً من دون استثناء على اساس الرطانة والأسمال الشعبوية والازياء. هذا الخلل والعجز في الهمم والقدرة على النهوض مجدداً، تقف خلفه، القوى والمؤسسات والخطابات والاجابات الجاهزة والمزمنة، التي تعيد انتاج وترميم كل هذا الخراب العضال.
لا يمكن مواصلة منهج الهرب المستمر من المهمة الموكولة الى الأجيال الحالية والمقبلة، للتحرر من فواتير حقبة «أرذل الهمم» هذه والانطلاق صوب دك هذه المؤسسات والعقائد الهرمة، الى قيم ومفاهيم تتناغم وروح العصر وتحديات الحياة الحديثة بعقول وضمائر غير مثقلة بفضلات كراهة الآخر المختلف والأحقاد المترسبة عن عجاج القوافل الغابرة. ومن دون الاتفاق على حقيقة هذا الواقع الذي انحدرنا اليه، من ضعف وخوار وهوان، وبالتالي وعي ضرورة الاستعداد لانطلاقة واسعة لاصلاح جذري لامورنا القيمية والثقافية والسياسية، سيكون أمر مفارقة حقبة أرذل الهمم أقرب الى المحال.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة