«الحامية الرومانية».. الشاهدة على محنة المثقف العراقي

سلام مكي

لقد استطاع الشاعر هادي الحسيني مؤلف كتاب “الحياة في الحامية الرومانية، سيرة أخرى للمثقف العراقي”، أن يوثق مرحلة مهمة من المراحل التي عاشها المثقف العراقي، مطارداً ومتهماً داخل وطنه، ولاجئاً خارجه. الحسيني، نجح في جعل الكتاب وثيقة إدانة للسلطة، وكذلك لعيونها من مثقفين، خانوا شرف حمل الكلمة وخانوا مبادئهم عندما تحولوا الى مبررين لأفعال النظام، ومشرعنين لجرائمه، مقابل امتيازات ومناصب آنية. المؤلف، لم يغفل التطرق الى الحالة المأساوية التي يعيشها غالبية الشعب العراقي بعد أحداث الكويت، من جوع ومرض وألم. “كنت أنظر الى المشهد برمته، على اننا في سجن كبير، وموبوء من قبل حكامه الذين لا يعرفون غير لغة الموت، وبالجملة، فالإعدامات مستمرة على قدم وساق، لأسباب أغلبها تافهة..(صـ8)”، ربما لم يكن المثقف وحده، من ينظر هكذا الى الوضع العام، بل حتى الانسان البسيط، كان يشعر بما يشعر به المثقف من ألم وحرقة على الوطن وما آلت إليه الأوضاع. ولكنه لم يكن يستطيع أن يجد وقتاً لأن ينظر بطريقة المثقف نفسها ويشعر بما يشعر به، لدرجة انه سيكتب عن تلك النظرة وما خلفتها من أوجاع بعد عدة سنين. أما عن حال المثقفين في ذلك الوقت، فكان أشد قسوة على بقية شرائح المجتمع. “فهم يتخذون، ومنذ الصباح، مقهى حسن عجمي الواقع في شارع الرشيد، مقراً لجلوسهم، ولتبادل الأحاديث المختلفة في السياسة والأدب وغير ذلك، وفي الوقت نفسه كان الجوع يأكل أحشاءهم، حيث لم يكن باستطاعة بعضهم شراء كسرة من الخبز(صـ8)”، وكما يصف لنا حال المثقفين بأنهم لم يكونوا يملكون زوجات ولا بيوتاً، أو أي شيء يؤهلهم للعيش بكرامة أسوة ببقية البشر! ولم ينس الكاتب أن يلحق كلامه المؤلم هذا بما هو أشد ألماً عندما قال: … هؤلاء الأدباء الشباب الذين خرجوا من الحرب سهواً! هل يمكن أن يكون هذا حال المثقف العراقي في وقت من الأوقات؟ هل يمكن أن يكون هذا جزاء من يشتغل بالثقافة؟ هل يمكن لشاعر قريب من السلطة أو هو جزء منها، أن يتجاهل معاناة زملائه في الأدب… ربما سيقول أحدهم: “لم نكن نريد منهم سوى تركنا وشأننا! كان مثقفو البعث الذين يقفون بالضد من مثقفي الوطن الحقيقيين، يعملون كجواسيس وعيون على زملائهم، وهناك حالات اعتقال وتعذيب لمثقفين جرت بناءً على وشايات زملائهم. وما الرقيب السلطوي الذي يحاول المثقفون الخلاص منه عبر الهجرة إلى خارج الوطن، إلا هذا المثقف الخائن لضميره. وبرغم ان حاجز الصمت الذي كان يعلو على المثقفين، ولا يعلو عليه الا صوت جان دمو، الذي اتخذ من الخمرة والتسكع ستاراً ليطلق شتائمه وسخريته بحق النظام وأركانه. وعلى هذا الأساس، كان على المثقف العراقي أن يتظاهر بالجنون حتى يتمكن من اطلاق ما بداخله تجاه النظام ورئيسه. هذا النظام، برغم الفاقة والعوز الذي ينهش في جسد المثقف، كان يدرك انه مازال يمثل الخطر الأول عليه وعلى نظامه، فلا يمر أسبوع من دون أن يكون أعوانه متواجدين في مقر اتحاد الأدباء. ويروي الحسيني حادثة طريفة حول جان دمو، عندما بدأ يشتم الجالسين جراء عدم حصوله على الخمر، وصادف وجود رئيس الاتحاد آنذاك عبد الامير معلة ووكيل وزارة الثقافة وبعض من ضباط المخابرات، وقد صادف ان صدام ظهر في التلفزيون وهو يعوم في نهر دجلة ليعبره الى جهة قريته العوجة. فباغتهم جان بتعليق على صدام بقوله: “انظروا الى هذا الحيوان يسبح وكأنه جاموسة!!”، ثم يسرد المؤلف لنا قصصاً مأساوية عن أفعال النظام بعد أن استتب له الأمر عقب أحداث الانتفاضة بقوله: “كانوا يأتون بالرجال والشباب ويوقفونهم صفاً واحداً طويلاً ويقومون بحفر نفق بواسطة “الشفل” ويطلقون النار عليهم ليتساقطوا واحداً تلو الآخر في النفق الذي حفر خلفهم…. وفي النهاية يقوم “الشفل” بردم التراب على الأجساد. كما لم ينس المؤلف ذكر بعض الأسماء المهمة في سماء الصحافة والأدب، كالشهيد عزيز السيد جاسم جراء تأليفه كتاب عن الإمام علي (ع)، وكذلك الصحافي ضرغام هاشم الذي تمت تصفيته بعد نشره لمقال في احدى الصحف. الرواية التي ذكرها الكتاب تكاد تختلف عن الرواية التي ذكرتها وسائل الإعلام والمواقع الالكترونية بشأن السبب المباشر وراء إعدام هاشم، عندما أثيرت قضيته للرأي العام، مؤخراً، بعد استحداث جائزة باسمه. كما يسلط الكتاب الضوء على بطولات عدد من المثقفين العراقيين أمثال الروائي حسن مطلك صاحب رواية “دابادا” والقاص محمود جنداري اللذين اتهما بالإسهام في أحداث العام 1991. وهذا يدل على ان المثقف العراقي لم يكن متفرجاً على أحداث البلد فكان مسهماً في قلمه وجهده في دعم قضايا مجتمعه، والا لكان ينعم بالعيش الرغيد. ويسرد لنا المؤلف ما جرى له من أحداث في الأيام الأولى لسفره إلى عمان وكيف انه التقى بأصدقائه الذين كانوا يرتادون مقهى في عمان لا يختلف عن مقهى حسن عجمي كثيراً. ثم يصور لنا معاناته في الحصول على فرصة عمل وهي معاناة جميع العراقيين، وكيف انهم يضطرون الى السير لمسافات طويلة للوصول الى مركز المدينة للبحث عن عمل مهما كان نوعه. وثمة الكثير من الأحداث والوقائع التي يذكرها الكتاب والتي تؤرخ لمرحلة عاشها المثقف العراقي في المنفى، وكيف انه التقى بالشاعر عبد الوهاب البياتي وغيره من الأدباء العراقيين. لا شك ان الكتاب كما قلنا يعدّ وثيقة تاريخية مهمة، لأحداث قد لا تجد من يوثقها أو ينقلها للقارئ العراقي لولا هذا الكتاب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة