دغل التحولات

كما هو الدغل تماما، وما يتركه من آثار مميتة على بقية سكان الحقل المنكوب بظهوره فيه، كذلك هو الأمر مع ما يحصل في المجتمعات البشرية من تحولات وتغيير، عندما تنبت أنواع من المخلوقات والجماعات تملك كل صفات ومقومات الدغل، من القدرة العالية على مواجهة شتىالشروط والتناغم مع شتى المتطلبات، الى الشراهة في اكتساح شتى التضاريس، من دون ان يرشح عنها اي شيء سوى الحاق الضرر الفادح بكل ماهو جميل ومفيد فيها. وما حصل في العراق ربيع عام 2003 من تحولات دراماتيكية ومفاجئة بفعل المشرط الخارجي، أوجد أفضل الشروط والمناخات لنمو وانتشار انواع من دغل الجماعات والكتل السياسية لم تعرف مثل شراستها وشراهتها الميادين والحقول السياسية والاقتصادية والعقائدية من قبل.
لماذا لا تليق بهم غير هذه المفردة (دغل)؟ لسبب بسيط جداً. هم غير قابلين للاصلاح كما الدغل تماماً. ولا علاج يليق بهم سوى الاجتثاث وتطهير التربة من جذورهم وفضلاتهم السامة. كما انهم ولدوا كما يحصل مع الدغل، عندما تهمل الارض الخصبة لتصبح نهباً لمثل هذه الاعشاب الطفيلية الشرهة. وهذه المهمة نهض بها النظام المباد ومؤسساته القمعية وأربعة عقود من تنفيذ أبشع برنامج لتصفية كل اشكال التعددية السياسية والاجتماعية والثقافية في بلد جوهر وجوده وازدهاره يعتمد على التعددية والتنوع. لذا لا يمكن ان نستغرب من التحالفات الحالية والاصطفافات بين بقايا فلول النظام المباد والنسخ الاخرى من الدغل الذي شب وترعرع في المنافي وتحت رعاية المؤسسات المتخصصة بانتاج نوعيات متطورة منه.
ان التذمر والاستياء مهما بلغا لن يستطيعا لا من مواجهة هذا الخطر ولا من كبح جماح شراهته المتعاظمة. خاصة مع مثل هذه المناخات من الغيبوبة الشاملة وشحة الوعي بأسباب هزائمنا المتواصلة منذ زمن بعيد، حيث يقف خلف هذه الغيبوبة والهلوسات الشاملة قوى ومؤسسات ترفدها بكل مقومات الديمومة والاستمرار. ولا يحتاج المرء الى جهد كبير كي يتعرف على جحافل هؤلاء المتطوعين بوعي أو من دون وعي، في الحرب المقدسة ضد كل اشكال الوعي والفضول المعرفي والسؤال. ولنا في المطبوعات العراقية ومنابر الاعلام المختلفة (غالبيتها) أمثلة حية على منهج الدغل هذا. على سبيل المثال في الموقف من الدغل الأشد فتكاً في المشهد الراهن (داعش) يتفقون جميعاً على انها صناعة أميركية، وفي الوقت نفسه لا يخجلون من اصدار اشد البيانات تعنيفاً وعتاباً على الحلفاء الاميركان لتقصيرهم في شن غارات أكثر واقسى على مواقع التنظيم الارهابي. مع مثل هذا الخطاب الديماغوجي لا يمكن ان نحصد غير المزيد من الضياع والخيبات، لأن داعش هي اعلى مراحل الدغل العروبي والاسلاموي.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة