النفـط بيـن الـواقـع ونظـريـة المـؤامـرة

أسعاره استقرت لثلاث سنوات ونصف

ستيف براون*

أصاب الانهيار الأخير في أسعار النفط الخبراء ومنتجي النفط بالدهشة، فقبل ستة أشهر فقط كانت الأسعار أكثر من 100 دولارللبرميل، وهو السعر الذي كان عليه النفط منذ ثلاث سنوات ونصف. وفي الواقع كان هذا الاستقرار غريباً، لذلك شهدنا انهيار الاسعار مقبلا.
وبشأن المعروض النفطي فهناك الكثير من يرى انها مؤامرة. ولكن يبدو لي ان أصل رفض السعودية في الدفاع عن سعر النفط يكمن في خوفها من تكرار فقدان حصتها في السوق حين عانت أوبك في أوائل الثمانينات من أزمة مماثلة. ولكن هناك أسبابا وجيهة للقول ان العقد الحالي لهذا القرن يختلف عن ثمانينيات القرن الماضي.
وأحب أن أحلل الأرقام، وهنا يكمن تفسير القضية، وعلى الأخص موقف السعودية. دعونا ننظر إلى الوراء إلى بداية الثمانينات وننظر الى ماذا حدث لحصص أوبك في السوق بعد صدمات أسعار النفط في السبعينات.
لقد إرتفعت اسعار أوبك مرتين في السبعينات. القفزة الأولى في الأسعار تسببت بتباطؤ نمو استهلاك النفط وراحت حصة أوبك في السوق تتآكل ببطء، ولكن هذا الارتفاع كان أساسا انتصارا للمنظمة، فقد تضاعفت ايراداتها لثلاثة أضعاف في حين ان صادراتها بقيت على حالها وبذلك فان الثمن الذي دفعته اوبك كان صغيرا.
اما القفزة الثانية في أسعار النفط فلم تنته على خير بالنسبة لاوبك، ذلك ان حصتها لم تتآكل هذه المرة فقط بل انها انهارت. وفوق تلك المصيبة، انخفض استهلاك النفط العالمي لمدة أربع سنوات متتالية. وبحلول عام 1984 كانت حصة أوبك قد انخفضت إلى أقل من 30٪. وتحولت المنظمة من كونها سيدة سوق النفط الى ضحيته. وبحلول نهاية الثمانينات كان السعر يتراجع إلى 30 دولارا للبرميل (على وفق قيمة النقود في عام 2015) وشرعت شركات النفط في كل مكان بجولات لا نهاية لها من الاستغناء عن العمال والترشيد وعمليات الدمج والتقليص التي ميزت هذه الصناعة منذ ذلك الحين.
واستمر الحال حتى عام 1996 حيث تمكنت منظمة اوبك من إستعادة حصتها في السوق وهي اكثر من 40٪. وتعلمت أوبك، والسعوديون على وجه الخصوص، الدرس الذي يمكنهم من تحديد تسعيرتهم الخاصة بعيدا عن السوق. وتشجع أسعار النفط المرتفعة على التوفير في الطاقة وعلى اختراع تقنيات إنتاج غير تقليدية. وإذا قمت برفع سعر منتجك أكثر من اللازم ، فان من يشتري منك سيجد بدائل، ويقوم الاشخاص الاذكياء الآخرين بإيجاد طرق جديدة ليستولوا على حصتك. ومن السهل أن تفقد الزبائن، لكن عليك القيام بعمل شاق لاستعادتهم.
وبرغم إنه احتاج لوقت طويل، لكن الطلب العالمي على النفط تصاعد في نهاية المطاف إلى النقطة التي لم يعد لإوبك الكثير من الطاقة الفائضة غير المستعملة. ولكن وبمجرد انخفاض الطاقة الإنتاجية الفائضة لأوبك إلى حوالي 2٪ من الاستهلاك العالمي للنفط، كان سعر النفط مرهونا بضغطة صغيرة على الزناد. وفي الفترة من 2004 فصاعدا سار السعر صعودا، متجاوزا الـ 100دولار للبرميل بكل سهولة ووصل لفترة وجيزة الى 147 دولارا( حسب قيمة النقد في عام 2008) قبل أن يدفع السعر المرتفع العالم إلى الركود.
ولم يكن صعود اسعار النفط من عمل اوبك، بل ان المضاربين والتجار يتحملون اللوم. ولكن منتجي النفط كانوا يتنعمون بالايرادات، اما المصرفيون والخبراء فقد كانوا يتوقعون ارتفاعا مستمرا في الأسعار. ولكن كما يقول المثل «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع» وذلك بالضبط ما حصل مؤخرا.
إن انهيار الأسعار، ترافق مع ضخ مبالغ ضخمة من النقد وهو ما يسمى مجازا «برنامج التسهيل الكمي»، وهذه الحالة حدثت قبل ركود عام 2008، ولم يمض وقت طويل حتى تصاعد استهلاك النفط بنحو متواضع. وارتفعت الأسعار من أدنى مستوياتها، واصبحت اوبك مرة أخرى قادرة على إستعادة حصتها في السوق. ولكن هذه المرة كان هناك ما يثير الاهتمام، فقد اصبحت أوبك قادرة على زيادة حصتها في السوق حين بلغ متوسط سعر النفط 80 دولار للبرميل. ولم يدم تحمل سعر 30 دولارللبرميل طويلا قبل استرداد المواقع المفقودة بسبب تضخم السعر عام 2008
لذلك يتبين أن السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين هي في الواقع مختلفة من الثمانينات. ففي الثمانينات دمر سعر 100 دولار للبرميل حصة أوبك في السوق. وكان السعر ما بين 60-40 دولار للبرميل يسهم في تآكل حصة اوبك في السوق، وانخفضت الاسعار لتصل الى 30-20 دولا ر للبرميل لترتفع حصة اوبك في السوق. وفي الوقت الحاضر، فان سعر 100-120 دولار للبرميل يسهم بتآكل حصة أوبك في السوق. ويمكن أن تنمو صادرات أوبك وحصتها حين يكون سعر النفط 80 دولارا للبرميل. لكن لماذا؟ لأن «ذروة النفط» قد تكون نظرية غير عصرية لكن العالم يسير ببطء صوب منحنى كلفة المعروض.
ويعرف سوق العقود الآجلة هذا أيضا. فقبل عامين وعندما كان سعر النفط 115 دولارا للبرميل توقع سوق العقود الآجلة أن السعر سوف يُصححْ ليكون 90 دولارا للبرميل. ومع تداول برنت بسعر 51 دولارا للبرميل في سوق العقود الآجلة فمن المعتقد أن السعر سوف يصحح إلى 77 دولارا للبرميل.
فما المطلوب من منتجي النفط؟ من المؤكد إن الاستقرار في السنوات القليلة الماضية قد ولى، وفكرة أن النفط سيبقى ثابتا بمعدل 100 دولار للبرميل لفترة طويلة كانت مغرية، ولكنها مجرد وهم. لكن وكما يبدو لي، فأن رجل النفط العاقل والمستثمر الحكيم يمكنه التخطيط بان يكون سعر النفط 80 دولارا للبرميل لانه قد يرجو ان يكون السعر 100 دولار للبرميل. ومن باب الحذر عليهم جعل مشاريعهم، والأعمال التجارية والاستثمارات على وفق 60 دولارا للبرميل ، لكن وعلى ما يبدو فان ما يقرب من سعر 80 دولارا للبرميل سيكون هو المتوقع لبعض الوقت في المستقبل
وليس لدي مشورة للتجار ، ويمكن أن تنخفض الأسعار غدا بنفس السهولة التي يمكن أن ترتفع بها، ولكن طالما بقي السعر دون 60 دولارا للبرميل فان السعر سينتعش عندما تقلب المستجدات الوضع .

*ترجمة عبد علي سلمان/ عن موقع اويل برايس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة