ليس وداعاً عباس البدري ..

تعرفت عليه في هيئة الامناء بشبكة الاعلام العراقي، ممثلا عن الكرد كما هو معمول في محاصصة الهيئات المستقلة، ومنذ اللحظات الاولى تبين لي ان الرجل، يبحث في القضايا العملية ‘ ففي اول اجتماع لهيئة الامناء ،طالب الرجل ان نغادر مواقعنا وان نذهب مباشرة الى الشبكة ونتعرف على مالديهم من مشكلات والبحث عن حلول لها.
وجوبه اقتراحه برفض بيروقراطي من الطراز الاول، لكنه لم يتنازل عن موقفه وبقيت الهيئة منشغلة باقالة مدير الشبكة أنذاك السيد حبيب الصدر ، وماقدرت ان تفعل ذلك ، فمدير الشبكة عادة مايكون اقوى من هيئة امناء عاجزة !
كان البدري يحتفل بتأريخه ويغص به مفتخرا ، كلما دعينا الى ورشة او ندوة او زار الهيئة شخصية اجنبية ، كان من البروتوكول او الاتكيت لا ادري ايهما اصح، ان يقدم اعضاء الهيئة انفسهم ومن التقديم ذكر الشهادة الدراسية ، كنّا نشمر عن سواعدنا ونقدمها بالبكلوريوس والقاب الدكاترة والاستاذية مزهوين مثل طواويس ـ عندما كنّا نفعل ذلك ، كان عباس البدري الشاعر والانسان والمناضل الصلب يقدم نفسه بحصوله على شهادات من «سبع سجون اخرها نكرة السلمان في زمن الدكتاتورية الصدامية» ويضيف و»خريج مدرسة الكفاح في البيشمركة» وعن شهادته الجامعية يقول دائما «انا خريج جامعة الحزب الشيوعي العراقي بامتياز «!
قريبا منه تكتشف ان البدري الشاعر والانسان والمناضل ، مكتئب الى حد كبير وهو يتلمس بيديه وعينيه وقلمه كيف تتهاوى احلام اسقاط دكتاتورية صدام ، ببديل احبط الشارع العراقي وتطلعاته ، بسبب ما انجرت اليه البلاد من كوارث .. لكن البدري بقي وفيا بعلاقتين لافكاك منهما ، المرأة والشعر ، قال لي ذات مرّة « ما الحياة بلا امرأة وكأس من الخمر ؟»
فكتب عن المرأة في قصيدة «عيون ليلى والغربة»
تمنيت يوماً على شفتيكِ/ أجود بآخر يومٍ بعمري/ وأشرب خمر الشفاه العذارى/ ولو كان موتي بقطرة خمر / فوا حزن روحي على كلِّ شئٍ/ أيحفرُ بين الخرائب قبري ؟/غريباً أموت بلا أي كفٍ/ تمد يداي بجانب صدري/ وعينيكِ ما كنت أخشى رحيلي/ تمنيتً أًنهيهِ ديوان شعري/ فمري بقبري إذا مت يوماً/ مرور الصحابة في الليل مري/ عسى أن يلوّنَ ثوبًك شوكاً/سينبتُ ورداً بجانب قبري/ فأشربُ منه بقيةَ كأسٍ/ شربتُ صباهُ بأول سكري!
وخاض البدري عالم الترجمة الى العربية فقد كان متمكنا منها برغم عدم دراسته لها اكاديميا ، وحتى اختياراته كانت من الذي بداخله عن المرأة والشعر .
ترجم من الشعر الكردي المعاصر ديوانا للشاعر كزال أحمد نشر تحت عنوان «لا أعرف كيف أعيش بدونك!»
وجاء في مقطع من الترجمة «ذات مرة سألتها: ماذا كنت تفعلين لو لم تكوني شاعرة؟! حدقت ملياً في سقف الغرفة، ومن ثم في جدرانها الباهتة مثل الغسق في نزعه الاخير، وفجأة اغمضت عينيها اللتين كان يخامرهما وسن أنثوي جذاب في تلك اللحظة، وقالت: من غيره ما كنت اقوى على العيش!
ثم أردفت : من غير الشعر لا معنى لحياتي!
ليس وداعا ايها البدري النبيل لانك تركت خلفك الشعر والانسان ونساء لانعرفهن !
عامر القيسي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة