بكاء الرجال

البكاء غريزة طبيعية وفطرية في النفس البشرية، فلماذا يكون مباحاً للمرأة ولا يكون للرجال حصة منه؟
ربما يبدو السؤال غريباً فليس هناك من قانون يمنع بكاء الرجال، بيد ان القضية اعمق بكثير في المجتمعات الشرقية بشكل عام والعربية بشكل خاص، فالقوانين العرفية والمجتمعية تعيب على الرجل ممارسة هذا الطقس باعتبار ان الدموع دليل ضعف وليس دليل حزن.
وهو مفهوم مخطوء حتما لكن العادات والتقاليد العربية فرضت هذا الفهم بمرور الزمن وتراكم الوقت لانها تنظر للرجل، وخاصة في الازمنة الغابرة الصحراوية، على انه الرجل المحارب والمدافع عن الشرف والقيم والاموال وعليه ان يكون قوياً وصلباً ولا يمكن ان يتسلل اليه الضعف يوما ما والبكاء هي حالة ضعف كما هو مترسخ في الفهم المجتمعي.
وضمن التحليل النفسي لدموع الرجل، تقول الحكمة ان الرجل لو بكى فاعلم بان لديه هموم تفوق الجبال..على خلاف دموع المرأة التي تسكب دمعها لابسط الامور، وهو ليس تقليل من قيمة دموعها وحزنها ولكن الطبيعة النفسية والفسلجية تتناغم معها وبالتالي فانه ليس من المعيب ان تبكي وسط مجتمع كبير من الرجال والنساء ربما في البيت او العمل او الجامعة او حتى الشارع ولا ترى هذا الامر مخجلاً وهو ليس مخجلاً بالفعل.
الرجل ايضا استسلم بوعيه ولا وعيه لفكرة ان البكاء معيب وسط المجتمع لذلك نراه يحبس دمعه ويكتم حتى حزنه ويعتبر الشكوى احيانا امراً معيبا ولو اراد البكاء لحبس نفسه في غرفة لوحده ليمارس طقس انسانيته محاولاً حتى كتم انين صوته ولايسمح للحزن ان يتمدد خارجاً بشكل واضح ومسموع كيما لا يلام او يعاتب.
وهذا الكتم والحبس للأنفاس ربما يقلل عمره ويزيد امراضه النفسية والجسدية ويعجل بياض شعره وحتى تجاعيد وجهه.
فقط في حالة فقدان عزيز وموته نلاحظ ان الرجل ينهزم امام رجولته وقوته المزعومة ويبكي امام الناس بحرقة. بل وحتى هذا الامر ليس مطلقا فهناك على سبيل المثال، بعض المحافظات العراقية ترى ان البكاء للرجل جريمة لا تغتفر ونقص في رجولته.
البكاء يا سادتي نعمة من نعم الله وتاريخنا السومري والبابلي والاكدي حافل بالحزن والى يومنا هذا مما يستدعي منا ان نمارس طقسنا الانساني ونعمة الرب بالبكاء لكي نمارس عملية الازاحة لهمومنا واحزاننا وطردها خارجا فلربما سرقنا بعض الراحة بالبكاء.
هي ليس دعوة للحزن حتما فلدينا ما يكفي من الاحزان والاوجاع ولكن هي دعوة لمواجهة الحزن بشكل طبيعي وفطري دونما خجل او ترسيخ بالذهن بانها حالة ضعف وانهيار فهناك فرق كبير بين الضعف والحزن.
عصام كشيش

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة