البارحة والفانوس

حسن عاشور، أو (البارحة والفانوس). الشاعر وقصيدته المكتوبة بالمحكية في إطار ما يسمى لدينا بالشعر الشعبي. لكنّ هذا الشاعر يحمل فوانيسه في ليل ونهار الأهواز وحاله حال ديوجين ومصباحه. راح الشاعر حسن عاشور المؤثر في الأهواز يُجرب الاندفاع بحركة الشعر الشعبي هناك إلى تخوم جديد فجلب عليه التجريب كلام التجريح. والنقاش المشتعل هناك ينقسم حسب نوعية المناقشين بين الذي يحسد، والذي يغبط.
ولايكف مشهد الشعر الشعبي في عبادان، والمحمرة، والأهواز عن إظهار لآلئه الكامنة التي تتعطش إلى منصة، أو توثيق، أو الخلود في لحن أغنية بدل انتظار جنازة أو عرس أو مناسبات أخرى يُستخدم فيها الشعراء المُجوّدون كصابونة فورية ينخرُ الحاضرون فؤادها النظيف والأبيض بلا رحمة ثم يتركونها تنزلق إلى آلام العزلة، والاغتراب، تصرخُ وحيدة مع نفسها كمزهرية مكسوّة بصمتها قديم.
ما يحزّ بالنفوس والنصوص أنّ بعض الذين يتوهمون أنفسهم بأنهم شعراء شعبيون عراقيون بارزون زاروا الأهواز ولم يستطيعوا أن يكونوا سوى الغرابيل لتلك الشموس الساطعة بالبراءة والخيال الخصب الذي ترك كتابة القصيدة للمبتدئين وحلّق بعيدا إلى كتابة الشعرّ. إنّ الشعر الشعبي الذي أتحدث عنه هو ذلك الشعر الذي يتخذ من موضوعات مرايا الزمن، والكون، ومكنونات البراءة، والحزن، وابتسامة الأمل الخضراء، ولحظات التواصل الحضاري الخلاقة مادة أكيدة وواعية لجوهر الإبداع.
إنّ اللسان العربي في الأهواز فصيحا وعاميا، يقضي يومه بالوقوف على الحافات الحرجة بسبب العلاقات الحساسة التي تنسجها الدهماء مع مقولات مثل: الهوية، والآخر، والدين، والمذهب، والطبقية، وغير ذلك من شبكات العقائد والأعراف والتقاليد التي تصهر ما يجري من ترددات في المنطقة وتقوم بإخراجه على شكل شلالات غنائية ليس هناك من حد إلى تدفق عاطفتها الموّارة. مع حسن عاشور يجب أن لاننسى خالد خضرائي، وحسن شريفي، ومحمد رسن.. والأرواح الطيبة والمضيافة والشاعرة للمبدعين محمد الأميري، وجاسم بتراني وهما يتحملان جدل الشعر الشعبي على أكتافهما.
إنّ تجوالي في رحلة قصيرة ومكثفة بين عبادان والمحمرة في الأسبوع الماضي أمّنت لي أحلى الصدف وأدهشها وأنا أتنقل في مساءات تلكم الأصحاب المليئة بالفنتازيا مرة، والضحك والبكاء مرة، والسحر مرّات ومرّات.
لابد للشعر الشعبي هناك من تدوين واستثمار منظم من غير ذلك سيبقى حبيسا في الصدور وغرف الأصدقاء والشوارع السرية للمدينة وأشجارها كتغريدات لبلابل عابرة في مرآة الزمن كما تقول حكمة النصوص التي تصنع بهاءها الخاص من ذهب عالي البريق والنقاء!ّ!

ميثم الحربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة